ستوريتا
ابدأ القراءة
غلاف مصور لكتاب جين آير

رواية قوطية

جين آير

بقلم شارلوت برونتي

يتيمة بلا مال، وقصر تخفي طبقته العليا سرًا، وحب لا تقبله إلا وهي حرة وندية.

الشخصيات

تعرّف إلى أبطال الحكاية

صورة مرسومة لشخصية جين آير

جين آير

مربية تصر على أن تبقى حرة

صورة مرسومة لشخصية إدوارد روتشستر

إدوارد روتشستر

سيد ثورنفيلد وحارس سره

صورة مرسومة لشخصية هيلين بيرنز

هيلين بيرنز

صديقة جين الأولى والأقرب

صورة مرسومة لشخصية سانت جون ريفرز

سانت جون ريفرز

قس يقوده الواجب والطموح

صورة مرسومة لشخصية بيرثا ميسون

بيرثا ميسون

امرأة مخفية في طابق ثورنفيلد الأعلى

صورة مرسومة لشخصية السيدة فيرفاكس

السيدة فيرفاكس

مدبرة ثورنفيلد الطيبة

صورة مرسومة لشخصية أديل فارنس

أديل فارنس

تلميذة جين المرحة

فصول عربية مصورة

الفصل الأول

لم يكن الخروج للنزهة ممكنا ذلك اليوم. كنا قد تجولنا ساعة في الشجيرات العارية من الأوراق صباحا، لكن منذ الغداء، وكانت السيدة ريد تتغدى مبكرة حين لا يكون عندها ضيوف، حملت ريح الشتاء الباردة سحبا شديدة القتامة ومطرا نافذا، حتى صار المزيد من الحركة في الخارج أمرا مستحيلا.

سعدت بذلك، فلم أحب قط النزهات الطويلة، ولا سيما في عصاري الأيام الباردة. كان الرجوع إلى البيت في الشفق الرطب، بأصابع يدين وقدمين يقرصها البرد، أمرا مروعا لي، يزيده قلب أثقلته توبيخات بيسي المربية، وأذله شعوري بضعفي الجسدي أمام إليزا وجون وجورجيانا ريد.

كان الثلاثة المذكورون، إليزا وجون وجورجيانا، متحلقين الآن حول أمهم في غرفة الجلوس. استلقت على أريكة قرب النار، وبدا عليها تمام السعادة وأحباؤها من حولها، إذ لم يكونوا في تلك الساعة يتشاجرون أو يبكون. أما أنا فقد أعفتني من الانضمام إليهم، وقالت: «يؤسفني أن أجد نفسي مضطرة إلى إبقائك بعيدة. لكن حتى أسمع من بيسي، وأتبين بنفسي، أنك تجتهدين حقا في اكتساب طبع أكثر ألفة وطفولية، وأسلوب أكثر جاذبية ومرحا، شيئا أخف وأصدق وأقرب إلى الطبيعة، فلا بد لي أن أحرمك من الامتيازات المخصصة للأطفال الصغار الراضين السعداء.»

سألت: «ماذا تقول بيسي إنني فعلت؟»

«يا جين، لا أحب المجادلين ولا المستجوبين. وفوق ذلك، ثمة ما ينفر حقا في طفل يعترض على الكبار بهذه الطريقة. اجلسي في مكان ما، والزمي الصمت حتى تستطيعي الكلام بلطف.»

كانت غرفة الفطور ملاصقة لغرفة الجلوس، فتسللت إليها. كان فيها رف للكتب، وسرعان ما استوليت على مجلد، حريصة على اختيار واحد مليء بالصور. صعدت إلى مقعد النافذة، وجمعت قدمي وجلست متربعة كتركي، ثم سحبت ستارة الدمقس الحمراء حتى كادت تنغلق، فوجدت نفسي في عزلة مضاعفة.

حجبت طيات القماش القرمزي منظري من اليمين، أما إلى اليسار فكانت ألواح الزجاج الصافية تحميني من يوم نوفمبر الكئيب من غير أن تفصلني عنه. وبينما أقلب صفحات كتابي كنت أتأمل من حين إلى آخر هيئة ذلك العصر الشتوي. في البعيد امتد فراغ شاحب من الضباب والسحب، وفي القريب عشب مبتل وشجيرات ضربتها العاصفة، والمطر المتصل يندفع وحشيا أمام ريح طويلة نائحة.

مقعد خلف الستار
مقعد خلف الستارتعتزل جين أسرة ريد خلف ستائر النافذة الحمراء، وتفتح كتابًا في ملاذ لا يتسع إلا لها.

عدت إلى كتابي، «تاريخ طيور بريطانيا» لبيويك. لم أهتم عادة بنصه المطبوع كثيرا، ومع ذلك كانت في صفحاته التمهيدية فقرات لم أستطع، على صغر سني، المرور بها كأنها لا شيء. كانت تتحدث عن مواطن طيور البحر، وعن «الصخور والرؤوس المنعزلة» التي لا يسكنها سواها، وعن ساحل النرويج المرصع بالجزر من أقصى جنوبه، ليندنس أو نيز، إلى الرأس الشمالي:

«حيث يغلي بحر الشمال في دوامات هائلة، حول جزر ثولي العارية الكئيبة، ويندفع موج الأطلسي بين جزر هبريدس العاصفة.»

ولم أستطع تجاهل ما وصفه من شواطئ لابلاند وسيبيريا وسبيتسبيرغن ونوفايا زيمليا وآيسلندا وغرينلاند المقفرة، ومن «الامتداد الهائل للمنطقة القطبية، وتلك الأقاليم البائسة في الفضاء الكئيب، خزان الصقيع والثلج، حيث تتراكم حقول الجليد الصلبة من قرون الشتاء، فتلمع قمما ألبية تعلو بعضها بعضا، وتحيط بالقطب وتجمع قسوة البرد الأقصى.» صنعت لهذه الممالك البيضاء كالموت صورة خاصة بي، غائمة مثل كل الأفكار نصف المفهومة التي تطفو باهتة في عقول الأطفال، لكنها عميقة الأثر على نحو غريب. ارتبطت كلمات المقدمة بالصور الصغيرة التالية، ومنحت معنى للصخرة المنتصبة وحدها وسط بحر من الموج والرذاذ، وللقارب المحطم الجانح على ساحل مقفر، وللقمر البارد المخيف يلمع من خلال قضبان السحب فوق حطام يغرق لتوه.

لا أستطيع وصف الشعور الذي سكن فناء الكنيسة المنعزل تماما، بشاهد قبره المنقوش وبوابته وشجرتيه وأفقه المنخفض المطوق بجدار محطم، وهلاله الذي طلع حديثا شاهدا على ساعة المساء.

أما السفينتان الساكنتان فوق بحر خامل، فظننتهما شبحين بحريين.

ومررت سريعا بصورة العفريت الذي يثبت حزمة اللص خلفه، فقد كانت تبعث الرعب.

وكذلك المخلوق الأسود ذو القرنين، الجالس منفردا فوق صخرة، يراقب حشدا بعيدا يحيط بمشنقة.

كانت كل صورة تحكي قصة، غامضة في أكثر الأحيان على فهمي الذي لم ينضج ومشاعري الناقصة، لكنها عميقة التشويق دائما. كانت مثيرة كالحكايات التي ترويها بيسي أحيانا في أمسيات الشتاء، حين يصادف أن يكون مزاجها حسنا. كانت تجلب منضدة الكي إلى موقد غرفة الأطفال، وتسمح لنا بالجلوس حولها، وبينما تكوي كشكشة الدانتيل الخاصة بالسيدة ريد وتثني حواشي قبعة نومها، تغذي انتباهنا المتلهف بمقاطع من الحب والمغامرة، مأخوذة من حكايات الجنيات القديمة والأغاني، أو، كما اكتشفت لاحقا، من صفحات «باميلا» و«هنري، إيرل مورلاند».

كنت سعيدة آنذاك وكتاب بيويك فوق ركبتي، سعيدة على طريقتي على الأقل. لم أخش إلا المقاطعة، وقد جاءت أسرع مما ينبغي. انفتح باب غرفة الفطور.

صاح صوت جون ريد: «بوو! يا سيدتي الكئيبة!» ثم توقف، فقد بدت الغرفة خالية.

تابع: «أين ذهبت بحق الشيطان؟ ليزي! جورجي!» ونادى أختيه: «جون ليست هنا. أخبرا أمي أنها خرجت تركض في المطر، أيتها الدابة السيئة!»

فكرت: «من حسن الحظ أنني سحبت الستار.» وتمنيت بحرارة ألا يكتشف مخبئي. وما كان جون ريد ليجده بنفسه، إذ لم يكن سريع البصر ولا الفهم، لكن إليزا أدخلت رأسها من الباب وقالت على الفور:

«إنها في مقعد النافذة بالطبع يا جاك.»

فخرجت في الحال، لأنني ارتجفت من فكرة أن يجرني جاك إلى الخارج.

سألت بتحفظ مرتبك: «ماذا تريد؟»

جاء الجواب: «قولي: ماذا تريد يا سيد ريد؟ أريدك أن تأتي إلى هنا.» وجلس في كرسي ذي ذراعين، وأشار إلي أن أقترب وأقف أمامه.

كان جون ريد تلميذا في الرابعة عشرة، أكبر مني بأربع سنوات، إذ كنت في العاشرة فقط. كان ضخما بدينا بالنسبة إلى سنه، ذا جلد داكن عليل، وملامح غليظة في وجه عريض، وأطراف ثقيلة ويدين وقدمين كبيرتين. اعتاد أن يتخم نفسه على المائدة، فأصابه ذلك باضطراب الصفراء، ومنحه عينين باهتتين مغشوشتين ووجنتين مترهلتين. كان ينبغي أن يكون في المدرسة، لكن أمه أعادته إلى البيت شهرا أو شهرين «بسبب صحته الرقيقة». أكد السيد مايلز، مدير المدرسة، أنه سيكون بخير لو أُرسل إليه من البيت قدر أقل من الكعك والحلوى، لكن قلب الأم نفر من رأي بهذه القسوة، ومال إلى الفكرة الأرق القائلة إن صفرة جون سببها الإفراط في الدراسة، وربما الشوق إلى البيت.

لم يكن جون يحب أمه وأختيه كثيرا، وكان يمقتني. تنمر علي وعاقبني، لا مرتين أو ثلاثا في الأسبوع، ولا مرة أو مرتين في اليوم، بل بلا انقطاع. خافه كل عصب في جسدي، وانكمشت كل ذرة لحم على عظامي حين اقترب. كانت ثمة لحظات يحيرني فيها الرعب الذي يبعثه، إذ لم يكن لي ملجأ من تهديداته أو أذاه. لم يرد الخدم إغضاب سيدهم الصغير بالوقوف إلى جانبي ضده، وكانت السيدة ريد عمياء صماء عن الأمر. لم تره يضربني ولم تسمعه يشتمني، مع أنه فعل الأمرين أحيانا في حضورها نفسه، وإن كان يفعلهما غالبا وراء ظهرها.

أطعته بحكم العادة واقتربت من كرسيه. أمضى نحو ثلاث دقائق يمد لسانه إلي إلى أبعد ما يستطيع من غير أن يؤذي جذره. عرفت أنه سيضربني بعد قليل، وبينما أخشى الضربة تأملت هيئة من سيوجهها إلي، وما فيها من قبح واشمئزاز. أتساءل هل قرأ الفكرة على وجهي، لأنه ضربني فجأة وبقوة من غير أن يتكلم. ترنحت، وحين استعدت توازني تراجعت خطوة أو خطوتين عن كرسيه.

قال: «هذه جزاء وقاحتك في الرد على أمي منذ قليل، وطريقتك المتسللة في الاختباء وراء الستائر، والنظرة التي كانت في عينيك قبل دقيقتين، أيتها الجرذة!»

كنت معتادة إساءة جون ريد، فلم يخطر لي قط الرد عليها. انشغلت بكيف أتحمل الضربة التي ستتبع الإهانة لا محالة.

سأل: «ماذا كنت تفعلين وراء الستار؟»

«كنت أقرأ.»

«أريني الكتاب.»

عدت إلى النافذة وأحضرته.

«ليس لك أن تأخذي كتبنا. تقول أمي إنك عالة. لا مال لك، ولم يترك لك أبوك شيئا. كان ينبغي أن تتسولي، لا أن تعيشي هنا مع أبناء السادة مثلنا، وتأكلي طعامنا نفسه، وترتدي ثيابا على نفقة أمنا. سأعلمك الآن ألا تعبثي برفوف كتبي، فهي ملكي، والبيت كله لي، أو سيكون لي بعد أعوام قليلة. اذهبي وقفي عند الباب، بعيدا عن المرآة والنوافذ.»

فعلت، ولم أدرك قصده أولا. لكن حين رأيته يرفع الكتاب ويزنه بيده ويتهيأ لقذفه، انحرفت غريزيا مع صيحة خوف، إلا أنني لم أكن سريعة بما يكفي. طار المجلد وأصابني، فسقطت وضربت رأسي بالباب وجرحته. سال الدم وكان الألم حادا، لكن خوفي جاوز ذروته، وخلفته مشاعر أخرى.

قلت: «أيها الفتى الشرير القاسي! أنت مثل القاتل، مثل تاجر العبيد، مثل أباطرة الرومان!»

كنت قد قرأت «تاريخ روما» لغولدسميث، وكونت رأيا في نيرون وكاليغولا وغيرهما. وعقدت في صمت مقارنات لم أتصور قط أن أعلنها هكذا بصوت عال.

صاح: «ماذا؟ ماذا؟ أقالت لي ذلك؟ هل سمعتماها يا إليزا وجورجيانا؟ سأخبر أمي، لكن أولا...»

اندفع نحوي بتهور، وشعرت به يقبض على شعري وكتفي. كان قد اشتبك مع مخلوق يائس. رأيت فيه حقا طاغية وقاتلا. شعرت بقطرة أو قطرتين من دم رأسي تنحدران على عنقي، وأحسست بألم لاذع. غلبت هذه الأحاسيس الخوف آنذاك، فواجهته بجنون. لا أعرف تماما ماذا فعلت بيدي، لكنه ناداني «جرذة! جرذة!» وأطلق خوارا عاليا. كانت النجدة قريبة منه، فقد ركضت إليزا وجورجيانا في طلب السيدة ريد التي صعدت إلى الطابق العلوي، فجاءت الآن إلى المشهد تتبعها بيسي وخادمتها أبوت. فصلونا، وسمعت الكلمات:

«يا إلهي! يا إلهي! أي جنون جعلها تهاجم السيد جون!»

«هل رأى أحد قط صورة كهذه للغضب!»

ثم أضافت السيدة ريد:

«خذوها إلى الغرفة الحمراء، وأقفلوا عليها هناك.» ووضعت أربع أيد علي في الحال، وحُملت إلى الطابق العلوي.

صفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـمغامرات أليس في بلاد العجائبصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـترنيمة عيد الميلادصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـدراكولا

ابدأ مكتبتك.

أضف أي كتاب إلى مكتبتك وتابع القراءة. القراءة مجانية دائمًا.