ستوريتا
ابدأ القراءة
غلاف مصور لكتاب الحديقة السرية

رواية أطفال

الحديقة السرية

بقلم فرانسيس هودجسون برنيت

طفلة وحيدة، وقصر موحش، وحديقة أُغلقت عشرة أعوام. خلف بابها المنسي، تعود الحياة إلى الأرض والقلوب.

الشخصيات

تعرّف إلى أبطال الحكاية

صورة مرسومة لشخصية ماري لينوكس

ماري لينوكس

طفلة يتيمة توقظ الحديقة وتوقظ نفسها

صورة مرسومة لشخصية كولن كرافن

كولن كرافن

ابن أرشيبالد الذي يتعلم الوقوف والحياة

صورة مرسومة لشخصية ديكون سوربي

ديكون سوربي

فتى البرية وصديق الحيوانات

صورة مرسومة لشخصية مارثا سوربي

مارثا سوربي

الخادمة التي تفتح لماري باب عالم جديد

صورة مرسومة لشخصية أرشيبالد كرافن

أرشيبالد كرافن

خال ماري ووالد كولن، أسير الحزن

صورة مرسومة لشخصية بن ويذرستاف

بن ويذرستاف

بستاني عجوز وصديق أبي الحناء

صورة مرسومة لشخصية سوزان سوربي

سوزان سوربي

أم ديكون، حكيمة ودافئة القلب

فصول عربية مصورة

الفصل الأول

حين أُرسلت ماري لينوكس لتعيش مع خالها في قصر ميسلثويت، قال الجميع إنها أبغض طفلة منظرا رأوها في حياتهم. وكان ذلك صحيحا أيضا. فقد كان لها وجه صغير نحيل، وجسد صغير نحيل، وشعر فاتح رقيق، وملامح عابسة. كان شعرها أصفر ووجهها أصفر، لأنها وُلدت في الهند وظلت مريضة على نحو أو آخر طوال عمرها. كان أبوها يشغل منصبا في الحكومة الإنجليزية، وكان دائم الانشغال ومعتل الصحة هو الآخر، أما أمها فكانت فاتنة الجمال، لا يعنيها إلا الذهاب إلى الحفلات واللهو مع أهل المرح. لم تكن تريد طفلة قط، وحين وُلدت ماري سلّمتها إلى مربية هندية، وأُفهمت المربية أن خير وسيلة لإرضاء السيدة هي أن تُبقي الطفلة بعيدة عن الأنظار قدر المستطاع. وهكذا أُبعدت حين كانت رضيعة سقيمة نزقة دميمة، وأُبعدت أيضا حين صارت كائنا صغيرا سقيما نزقا يتعثر في خطواته. لم تذكر أنها ألفت رؤية أحد سوى الوجه الأسمر لمربيتها ووجوه الخدم الهنود الآخرين، ولأنهم كانوا يطيعونها دوما ويتركون لها ما تشاء في كل أمر، خشية أن تغضب السيدة إذا أزعجها بكاؤها، غدت في السادسة من عمرها طاغية صغيرة أنانية كأنها أقبح خنزيرة عاشت يوما. كانت المربية الإنجليزية الشابة التي جاءت لتعليمها القراءة والكتابة تمقتها حتى إنها تركت عملها بعد ثلاثة أشهر، وكلما جاءت مربية أخرى لتحل محلها رحلت في مدة أقصر من سابقتها. ولولا أن ماري اختارت بنفسها أن ترغب حقا في قراءة الكتب، لما تعلمت الحروف قط.

وفي صباح قائظ إلى حد مخيف، حين كانت في نحو التاسعة، استيقظت شديدة السخط، ثم ازداد سخطها حين رأت أن الخادمة الواقفة إلى جانب سريرها ليست مربيتها.

«لماذا جئت؟» قالت للمرأة الغريبة. «لن أسمح لك بالبقاء. أرسلي إليّ مربيتي.»

بدت المرأة خائفة، لكنها لم تفعل سوى التلعثم بأن المربية لا تستطيع المجيء. وحين ثارت ماري وراحت تضربها وتركلها، ازداد خوفها ولم تزد على تكرار أن المربية لا يمكنها الحضور إلى الآنسة الصغيرة.

كان في الجو شيء غامض ذلك الصباح. لم يجر شيء في موعده المعتاد، وبدا أن عددا من الخدم الهنود غائبون، أما من رأتهم ماري فكانوا يتسللون أو يهرعون بوجوه شاحبة مذعورة. لكن أحدا لم يخبرها بشيء، ولم تأت مربيتها. ومع تقدم الصباح تُركت وحدها بالفعل، وفي النهاية خرجت إلى الحديقة وأخذت تلعب بمفردها تحت شجرة قرب الشرفة. تظاهرت بأنها تصنع حوضا للزهور، وغرست أزهار الكركديه القرمزية الكبيرة في أكوام صغيرة من التراب، بينما يتصاعد غضبها لحظة بعد أخرى وتتمتم بما ستقوله لسعيدي وبالأسماء التي ستنعتها بها حين تعود.

«خنزيرة! خنزيرة! يا ابنة الخنازير!» قالت ذلك لأن وصف هندي بالخنزير كان أفظع إهانة على الإطلاق.

كانت تصرّ على أسنانها وتكرر هذا الكلام مرة بعد مرة، حين سمعت أمها تخرج إلى الشرفة مع شخص آخر. كان معها شاب أشقر، ووقفا يتحدثان بصوتين خافتين غريبين. كانت ماري تعرف ذلك الشاب الأشقر الذي بدا كأنه فتى. سمعت أنه ضابط صغير السن وصل لتوه من إنجلترا. حدقت الطفلة فيه، لكن معظم تحديقها كان في أمها. وكانت تفعل ذلك دائما كلما سنحت لها فرصة لرؤيتها، لأن السيدة، وهو الاسم الذي اعتادت ماري أن تطلقه عليها أكثر من أي اسم آخر، كانت طويلة رشيقة جميلة، وترتدي ثيابا بديعة. كان شعرها كالحرير المجعد، ولها أنف صغير دقيق يبدو كأنه يزدري الأشياء، وعينان كبيرتان ضاحكتان. وكانت ثيابها كلها رقيقة متموجة، تقول ماري إنها «مغمورة بالدانتيل». وبدت ذلك الصباح أغزر دانتيلا من أي وقت مضى، لكن عينيها لم تكونا ضاحكتين البتة. كانتا متسعتين مذعورتين، مرفوعتين بتوسل إلى وجه الضابط الأشقر الفتي.

«أبلغ السوء هذا الحد؟ آه، أحقا بلغ هذا الحد؟» سمعتها ماري تقول.

«إنه فظيع»، أجاب الشاب بصوت مرتجف. «فظيع يا سيدة لينوكس. كان ينبغي أن ترحلي إلى التلال قبل أسبوعين.»

لوّت السيدة كفيها.

«آه، أعرف أنه كان ينبغي لي ذلك!» صاحت. «إنما بقيت لأحضر ذلك العشاء السخيف. يا لحمقي!»

وفي تلك اللحظة نفسها انطلق من مساكن الخدم عويل مرتفع حتى إنها تشبثت بذراع الشاب، ووقفت ماري ترتجف من رأسها إلى قدميها. وراح العويل يزداد جنونا. شهقت السيدة لينوكس: «ما هذا؟ ما هذا؟»

«مات أحدهم»، أجاب الضابط الفتى. «لم تقولي إن الوباء تفشى بين خدمك.»

«لم أكن أعرف!» صاحت السيدة. «تعال معي! تعال معي!» ثم استدارت وركضت إلى داخل البيت.

بعد ذلك وقعت أمور مروعة، وانكشف لماري سر ذلك الصباح. فقد تفشى وباء الكوليرا في أشد صوره فتكا، وصار الناس يموتون كالذباب. أصيبت المربية بالمرض في الليل، وكان الخدم قد أطلقوا العويل في الأكواخ لأنها ماتت للتو. وقبل حلول اليوم التالي مات ثلاثة خدم آخرين، وفرّ آخرون من شدة الرعب. كان الهلع في كل مكان، والمحتضرون في كل بيت.

وسط اضطراب اليوم الثاني وحيرته، اختبأت ماري في غرفة الأطفال ونسيها الجميع. لم يفكر فيها أحد، ولم يردها أحد، ووقعت أمور غريبة لم تعرف عنها شيئا. أمضت الساعات تتناوب بين البكاء والنوم. لم تكن تعرف إلا أن الناس مرضى، وأنها تسمع أصواتا غامضة مخيفة. تسللت مرة إلى غرفة الطعام فوجدتها خالية، مع أن وجبة لم يكتمل تناولها كانت على المائدة، وبدت الكراسي والصحون كأنها دُفعت إلى الوراء على عجل حين نهض الآكلون فجأة لسبب ما. أكلت الطفلة بعض الفاكهة والبسكويت، ولأنها كانت عطشى شربت كأسا من النبيذ بقيت شبه ممتلئة. كان مذاقه حلوا، ولم تعرف مقدار قوته. وسرعان ما استولى عليها نعاس شديد، فعادت إلى غرفة الأطفال وأغلقت على نفسها مرة أخرى، خائفة من الصيحات التي تسمعها في الأكواخ ومن وقع الأقدام المسرعة. جعلها النبيذ من النعاس بحيث كادت تعجز عن إبقاء عينيها مفتوحتين، فاستلقت على سريرها وغابت عن كل شيء زمنا طويلا.

حدثت أمور كثيرة في الساعات التي نامت فيها ذلك النوم العميق، لكن العويل وأصوات الأشياء المنقولة إلى البيت وخارجه لم توقظها.

حين استيقظت ظلت مستلقية تحدق في الجدار. كان البيت ساكنا سكونا تاما. لم تعرفه في مثل ذلك الصمت قط. لم تسمع أصواتا ولا وقع أقدام، وتساءلت هل شُفي الجميع من الكوليرا وانتهت المتاعب كلها. وتساءلت أيضا من سيعتني بها الآن بعد موت مربيتها. لا بد أن تأتي مربية جديدة، وربما كانت تعرف حكايات جديدة. فقد ملت ماري الحكايات القديمة بعض الشيء. لم تبك لأن مربيتها ماتت. لم تكن طفلة حنونة، ولم تهتم بأحد اهتماما كبيرا قط. أخافتها الضوضاء والعجلة والعويل بسبب الكوليرا، وأغضبها أن أحدا لا يبدو متذكرا أنها حية. كان الجميع أذعر من أن يفكروا في طفلة صغيرة لا يحبها أحد. وحين تصيب الناس الكوليرا، يبدو أنهم لا يتذكرون أحدا سوى أنفسهم. لكن إن كان الجميع قد شُفي حقا، فلا بد أن يتذكرها أحد ويأتي باحثا عنها.

لكن أحدا لم يأت، وبينما كانت ترقد منتظرة بدا البيت يزداد صمتا كل لحظة. سمعت حفيفا على الحصير، وحين نظرت إلى الأرض رأت أفعى صغيرة تنساب وهي تراقبها بعينين كالجوهرتين. لم تخف، فقد كانت مخلوقا صغيرا مسالما لن يؤذيها، وبدا أنه على عجلة من أمره للخروج من الغرفة. تسلل تحت الباب وهي تراقبه.

«ما أغرب هذا الهدوء»، قالت. «يبدو كأن لا أحد في البيت سواي وسوى الأفعى.»

وبعد لحظة تقريبا سمعت وقع أقدام في الفناء، ثم على الشرفة. كانت أقدام رجال، ودخل الرجال البيت وتحدثوا بأصوات خافتة. لم يخرج أحد لاستقبالهم أو مخاطبتهم، وبدا أنهم يفتحون الأبواب وينظرون في الغرف.

«يا له من خراب!» سمعت صوتا يقول. «تلك المرأة الجميلة، الجميلة! وأظن الطفلة أيضا. سمعت أن هناك طفلة، مع أن أحدا لم يرها قط.»

كانت ماري واقفة في وسط غرفة الأطفال حين فتحوا الباب بعد دقائق. بدت كائنا صغيرا دميما عابسا، وكانت تقطب جبينها لأنها بدأت تجوع وتشعر بأنها مهملة على نحو مخز. كان أول الداخلين ضابطا ضخم الجثة رأته مرة يتحدث إلى أبيها. بدا متعبا مهموما، لكنه حين رآها ارتاع حتى كاد يقفز إلى الوراء.

«بارني!» صاح. «هناك طفلة هنا! طفلة وحدها! في مكان كهذا! يا إلهي، من تكون؟»

«أنا ماري لينوكس»، قالت الصغيرة، وانتصبت بجمود. رأت أن الرجل قليل التهذيب جدا إذ يصف بيت أبيها بأنه «مكان كهذا». «غفوت حين أصيب الجميع بالكوليرا، ولم أستيقظ إلا الآن. لماذا لا يأتي أحد؟»

«إنها الطفلة التي لم يرها أحد قط!» هتف الرجل ملتفتا إلى رفاقه. «لقد نسوها بالفعل!»

«لماذا نسوني؟» قالت ماري وهي تضرب الأرض بقدمها. «لماذا لا يأتي أحد؟»

نظر إليها الشاب الذي يدعى بارني بحزن بالغ. بل خُيل إلى ماري أنها رأته يطرف بعينيه كأنه يطرد عنهما الدموع.

«يا للمسكينة الصغيرة!» قال. «لم يبق أحد ليأتي.»

وبهذه الطريقة الغريبة المفاجئة عرفت ماري أنه لم يبق لها أب ولا أم، وأنهما ماتا وحُملت جثتاهما بعيدا في الليل، وأن الخدم الهنود القليلين الذين لم يموتوا غادروا البيت أيضا بأسرع ما استطاعوا، من غير أن يتذكر واحد منهم وجود الآنسة الصغيرة. ولهذا كان المكان ساكنا إلى ذلك الحد. لقد صدق أنها لم تكن وحدها في البيت إلا مع الأفعى الصغيرة التي تحدث حفيفا.

حين لم يبق أحد
حين لم يبق أحديفتك الوباء بالبيت في الهند، وتستيقظ ماري لتجد أن لا أحد بقي ليأتي إليها.
صفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـمغامرات أليس في بلاد العجائبصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـترنيمة عيد الميلادصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـدراكولا

ابدأ مكتبتك.

أضف أي كتاب إلى مكتبتك وتابع القراءة. القراءة مجانية دائمًا.