ستوريتا
ابدأ القراءة
غلاف مصور لكتاب مرتفعات وذرينغ

رواية قوطية

مرتفعات وذرينغ

بقلم إميلي برونتي

بيت تعصف به الرياح، وجيلان يثقلهما الانتقام، وحب يطارد المروج كالشبح.

الشخصيات

تعرّف إلى أبطال الحكاية

صورة مرسومة لشخصية هيثكليف

هيثكليف

لقيط صار سيد المرتفعات

صورة مرسومة لشخصية كاثرين إرنشو

كاثرين إرنشو

روح المروج الجامحة

صورة مرسومة لشخصية نيللي دين

نيللي دين

مدبرة منزل وشاهدة وراوية

صورة مرسومة لشخصية إدغار لينتون

إدغار لينتون

سيد قصر ثراشكروس الوديع

صورة مرسومة لشخصية هندلي إرنشو

هندلي إرنشو

وريث أكل الحقد قلبه

صورة مرسومة لشخصية كاثرين لينتون

كاثرين لينتون

أمل متمرد لجيل جديد

صورة مرسومة لشخصية هارتون إرنشو

هارتون إرنشو

وريث المرتفعات المحروم

فصول عربية مصورة

الفصل الأول

1801 - عدت لتوي من زيارة مالك مسكني، الجار الوحيد الذي سيُكتب لي أن أحتمل عناءه. إنها حقاً بلاد جميلة! لا أظنني كنت سأهتدي، في إنجلترا كلها، إلى موضع أبعد من هذا عن صخب المجتمع. إنها جنة كاملة لكاره البشر، وأنا والسيد هيثكليف زوج ملائم غاية الملاءمة لاقتسام هذه الوحشة بيننا. يا له من رجل ممتاز! لم يخطر له كم استدفأ قلبي نحوه حين رأيت عينيه السوداوين تنسحبان في ريبة تحت حاجبيه لدى اقترابي ممتطياً جوادي، وحين أوغلت أصابعه في الاحتماء داخل صدريته بعزم متحفز، وأنا أعرّفه باسمي.

قلت: «السيد هيثكليف؟»

فكان الجواب إيماءة بالرأس.

«السيد لوكوود، مستأجرك الجديد يا سيدي. رأيت أن أتشرف بزيارتك في أقرب وقت بعد وصولي، لأعرب عن أملي ألا أكون قد سببت لك إزعاجاً بإلحاحي في طلب استئجار قصر ثراشكروس؛ فقد سمعت بالأمس أنك كنت تفكر...»

فقاطعني وهو يتألم: «قصر ثراشكروس ملكي أنا يا سيدي، ولا أسمح لأحد أن يزعجني ما دام في وسعي منعه. ادخل!»

نطق كلمة «ادخل» من بين أسنان مطبقة، وكانت تعبّر عن معنى «اذهب إلى الجحيم!»؛ بل إن البوابة التي كان يتكئ عليها لم تبدِ أي حركة تؤيد كلمته. وأحسب أن هذا بالذات ما حملني على قبول الدعوة؛ فقد أثار اهتمامي رجل بدا أشد تحفظاً مني إلى حد المبالغة.

وحين رأى صدر جوادي يدفع الحاجز بالفعل، مد يده وفك سلسلته، ثم تقدمني عابساً صاعداً الممر المرصوف، ونادى ونحن ندخل الفناء: «جوزيف، خذ جواد السيد لوكوود، وأحضر بعض النبيذ.»

فأوحى إليّ هذا الأمر المركب بخاطرة: «ها هنا، فيما أظن، جهاز الخدم كله. فلا عجب أن ينبت العشب بين ألواح الحجر، وأن تكون الماشية وحدها من يشذب الأسيجة.»

كان جوزيف رجلاً مسناً، بل شيخاً، شديد الشيخوخة ربما، وإن ظل صحيحاً مفتول العصب. تمتم في ضيق ساخط وهو يعفيني من جوادي: «الرب يعيننا!» وكان في أثناء ذلك يرمق وجهي بعبوس حامض، حتى إنني افترضت، من باب حسن الظن، أنه محتاج إلى العون الإلهي كي يهضم عشاءه، وأن ابتهاله الورع لا صلة له بقدومي المفاجئ.

مرتفعات وذرينغ هو اسم منزل السيد هيثكليف. ولفظة «وذرينغ» نعت محلي ذو دلالة، يصف هياج الجو الذي يتعرض له هذا الموقع في الطقس العاصف. ولا بد أن الهواء هناك نقي منشط في كل حين؛ إذ يستطيع المرء أن يقدّر قوة الريح الشمالية وهي تعصف فوق الحافة من الميل المفرط لبضع شجيرات تنوب ضامرة عند طرف المنزل، ومن صف أشجار شوك هزيلة تمد فروعها كلها في اتجاه واحد، كأنها تستجدي صدقة من الشمس. ولحسن الحظ تحلى المعماري ببعد النظر فبناه متيناً؛ نوافذه الضيقة غائرة عميقاً في الجدران، وزواياه محصنة بحجارة كبيرة بارزة.

وقبل أن أعبر العتبة توقفت أتأمل كثرة النقوش الغريبة المسرفة على الواجهة، ولا سيما حول الباب الرئيسي؛ وفوقه، بين غابة من حيوانات الغريفين المتداعية وصبية صغار عراة بلا حياء، تبينت تاريخ «1500» واسم «هارتون إرنشو». وددت لو أبديت بعض الملاحظات وطلبت من المالك الفظ نبذة عن تاريخ المكان، لكن وقفته عند الباب بدت كأنها تطالبني إما بالدخول سريعاً وإما بالرحيل التام، ولم أشأ أن أزيد نفاد صبره قبل أن أتفقد قدس الأقداس.

خطوة واحدة أدخلتنا غرفة جلوس الأسرة، من غير ردهة أو ممر تمهيدي؛ ويسمونها هنا، على سبيل التفضيل، «البيت». وهي تضم عادة المطبخ وغرفة الجلوس معاً، لكنني أعتقد أن المطبخ في مرتفعات وذرينغ أُجبر على التراجع كلياً إلى ناحية أخرى؛ فقد ميزت، على الأقل، لغط أصوات وقعقعة أدوات طبخ في العمق، ولم ألحظ قرب الموقد الهائل أثراً للشواء أو السلق أو الخبز، ولا بريق قدور نحاسية ومصافٍ من الصفيح على الجدران. غير أن أحد الأطراف كان يعكس الضوء والحرارة في أبهة من صفوف صحاف ضخمة من القصدير، تتخللها أباريق وأقداح فضية، وتعلو صفاً فوق صف على خزانة عريضة من البلوط حتى السقف. ولم يكن السقف مكسواً من الداخل قط، فكان هيكله كله مكشوفاً للعين الفضولية، إلا حيث يحجبه إطار خشبي مثقل بأقراص خبز الشوفان وعناقيد من أفخاذ البقر والضأن والخنزير. وفوق المدخنة عُلقت بنادق قديمة شريرة الهيئة ومسدسان للفرسان، وعلى سبيل الزينة رُتبت ثلاث علب زاهية الطلاء على حافتها. كانت الأرضية من حجر أبيض أملس، والكراسي بدائية عالية الظهور مطلية بالأخضر، وفي الظل يتوارى كرسي أو اثنان أسودان ثقيلان. وفي قوس تحت الخزانة استراحت كلبة صيد ضخمة بلون الكبد، تحيط بها زمرة من الجراء الصائحة، وكانت كلاب أخرى تقبع في تجاويف أخرى.

لم تكن الغرفة وأثاثها لتبدوا أمراً خارقاً لو كانتا لفلاح شمالي بسيط، عنيد الوجه، قوي الأطراف، تبرز ساقاه في سروال يبلغ الركبتين ولفافات الساق. ويمكن رؤية مثل هذا الرجل جالساً في مقعده، وقدح الجعة يزبد أمامه على المائدة المستديرة، في أي جولة لا تتجاوز خمسة أميال أو ستة بين هذه التلال، إذا جئت في الوقت المناسب بعد العشاء. لكن السيد هيثكليف يناقض مسكنه وأسلوب عيشه تناقضاً غريباً. فهو داكن البشرة، غجري المظهر، لكنه نبيل في لباسه وسلوكه، أي بقدر ما يكون كثير من ملاك الريف نبلاء؛ ولعله مهمل بعض الشيء، إلا أن إهماله لا يقبحه لما له من قامة منتصبة وسيمة، وهو كئيب بعض الشيء. وربما ظنه بعض الناس متكبراً تكبر ناقص التربية، لكن في داخلي وتراً متعاطفاً يخبرني أن الأمر ليس كذلك إطلاقاً؛ فأنا أعرف بالغريزة أن تحفظه ناشئ من نفور من استعراض العاطفة، ومن إظهار المودة المتبادلة. سيحب ويكره في الخفاء على السواء، ويعد أن يبادله أحد الحب أو الكراهية ضرباً من الوقاحة. كلا، لقد اندفعت أسرع مما ينبغي؛ فأنا أسبغ عليه صفاتي بسخاء مفرط. قد تكون للسيد هيثكليف أسباب تختلف تماماً عن أسبابي لإخفاء يده حين يلتقي بمن يرجو التعارف إليه. ولآمل أن طبيعتي تكاد تكون فريدة؛ فقد كانت أمي العزيزة تقول إنني لن أحظى أبداً ببيت هانئ، وفي الصيف الماضي وحده برهنت أنني غير جدير بواحد البتة.

مالك بيت في أرض العواصف
مالك بيت في أرض العواصفيعبر لوكوود المروج الشتوية، فيجد هيثكليف منغلقًا كأنما يحرسه البيت العتيق من حوله.

كنت أستمتع بشهر من الطقس الجميل على شاطئ البحر حين ألقت بي الظروف في صحبة مخلوقة آسرة، إلهة حقيقية في عيني ما دامت لا تلحظني. لم «أبح بحبي» بلساني، لكن إن كان للنظرات لغة، لاستطاع أحمق الحمقى أن يخمن أنني غارق فيه إلى أذني. وفهمتني أخيراً وردت عليّ بنظرة، أحلى نظرة يمكن تصورها. وماذا فعلت أنا؟ أعترف في خزي أنني انكمشت إلى داخلي في برودة كالحلزون، وازددت مع كل نظرة بروداً وتراجعاً؛ حتى بدأت المسكينة البريئة تشك في حواسها، وغلبها الارتباك من خطأ توهمت أنها ارتكبته، فأقنعت أمها بالرحيل.

وبهذه النزعة الغريبة اكتسبت سمعة القسوة المتعمدة؛ وكم هي ظالمة، أمر لا يقدّره سواي.

جلست عند أحد طرفي حجر الموقد قبالة الطرف الذي اتجه إليه مالك مسكني، وملأت فترة الصمت بمحاولة مداعبة أم الجراء، وكانت قد غادرت صغارها وأخذت تتسلل خلف ساقيّ تسلل الذئاب، شافتها العليا مرفوعة وأسنانها البيضاء يسيل لعابها توقاً إلى نهشة. فأثارت مداعبتي زمجرة طويلة غليظة.

قال السيد هيثكليف في زمجرة وافقتها، وهو يكبح بوادر أشد شراسة بركلة من قدمه: «خير لك أن تدع الكلبة وشأنها. ليست معتادة على التدليل، ولم نقتنها للهو.» ثم خطا إلى باب جانبي وصاح من جديد: «جوزيف!»

تمتم جوزيف بكلام غير مفهوم في أعماق القبو، ولم يبدِ ما يدل على عزمه الصعود؛ فهبط إليه سيده، وتركني وجهاً لوجه مع الكلبة السفاحة وزوج من كلاب الرعي الأشعثة القاتمة، يشاطرانهـا حراسة كل حركة من حركاتي بغيرة. ولأنني لم أكن راغباً في ملامسة أنيابها، لزمت السكون؛ لكنني تخيلت أنها قلما تفهم الإهانات الصامتة، فانغمست لسوء حظي في الغمز وصنع الوجوه للثلاثة. وأغاظ أحد تقلبات ملامحي السيدة إلى حد أنها انفجرت بغتة في هياج ووثبت على ركبتيّ. دفعتها عني وأسرعت أضع المائدة بيننا. فأيقظ هذا التصرف الخلية كلها؛ خرج من أوكار خفية إلى مركز المعركة نصف دزينة من الشياطين ذوات القوائم الأربع، متفاوتة الأحجام والأعمار. وشعرت أن عقبيّ وذيلي معطفي هدفان مخصوصان للهجوم؛ وبينما كنت أصد المقاتلين الأكبر حجماً بما استطعت من فعالية بعتلة الموقد، اضطررت إلى طلب عون أحد أهل الدار بصوت عال لإعادة السلام.

صعد السيد هيثكليف وخادمه درجات القبو ببرود يبعث على الغيظ؛ ولا أظنهما أسرعا ثانية واحدة عن عادتهما، مع أن الموقد كان عاصفة محضة من العض والنباح. ولحسن الحظ كانت إحدى ساكنات المطبخ أسرع حركة؛ اندفعت بيننا امرأة قوية، قد رفعت ذيل ثوبها، وذراعاها عاريتان، ووجنتاها مورّدتان بحرارة النار، تلوح بمقلاة. واستعملت ذلك السلاح ولسانها بفعالية جعلت العاصفة تهدأ كالسحر، ولم يبق حين دخل سيدها إلى المشهد سواها، يعلو صدرها ويهبط كالبحر بعد ريح عاتية.

سأل وهو يرمقني بنظرة عز عليّ احتمالها بعد هذه الضيافة الجافية: «ما الذي يحدث بحق الشيطان؟»

تمتمت: «بحق الشيطان فعلاً! ما كانت الأرواح التي حلت في قطيع الخنازير الممسوسة أشد سوءاً من التي تسكن حيواناتك يا سيدي. كان يمكنك بالقدر نفسه أن تترك غريباً مع زمرة من النمور!»

قال وهو يضع الزجاجة أمامي ويعيد المائدة المزاحة إلى مكانها: «إنها لا تتعرض لمن لا يمس شيئاً. من حق الكلاب أن تظل يقظة. كأساً من النبيذ؟»

«لا، شكراً.»

«لم تُعض، أليس كذلك؟»

«لو عُضضت، لطبعت خاتمي على من عضني.» فانفرج وجه هيثكليف عن ابتسامة.

قال: «هيا، هيا، أنت مضطرب يا سيد لوكوود. خذ قليلاً من النبيذ. إن الضيوف نادرون جداً في هذا البيت حتى إنني وكلابي، وأقر بذلك، لا نكاد نعرف كيف نستقبلهم. في صحتك يا سيدي.»

انحنيت ورددت التحية، وقد بدأت أدرك أن العبوس بسبب سوء سلوك زمرة من الكلاب أمر أحمق؛ وفوق ذلك لم أرد أن أمنح الرجل مزيداً من التسلية على حسابي، ما دام مزاجه قد أخذ هذا المنحى. أما هو، ولعله خضع لحساب حصيف مفاده حماقة الإساءة إلى مستأجر جيد، فقد خفف قليلاً من أسلوبه المقتضب الذي يحذف فيه الضمائر والأفعال المساعدة، وطرح ما ظنه موضوعاً يهمني: حديثاً عن مزايا معتزلي الحالي وعيوبه. وجدته بالغ الذكاء في الموضوعات التي تناولناها، وقبل أن أعود إلى منزلي تشجعت حتى تطوعت بزيارة أخرى غداً. وكان واضحاً أنه لا يريد تكرار اقتحامي. ومع ذلك سأذهب. يا للدهشة، كم أبدو لنفسي اجتماعياً إذا قورنت به.

صفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـمغامرات أليس في بلاد العجائبصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـترنيمة عيد الميلادصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـدراكولا

ابدأ مكتبتك.

أضف أي كتاب إلى مكتبتك وتابع القراءة. القراءة مجانية دائمًا.