ستوريتا
ابدأ القراءة
دمعة وابتسامةجبران خليل جبران

دمعة وابتسامة

بقلم جبران خليل جبران

ثلاثة نصوص كاملة تتنقل بين فصول الحب، وحكاية عاشقين، وتأمل في مدينتي الأحياء والأموات.

الشخصيات

تعرّف إلى أبطال الحكاية

صورة مرسومة لشخصية ابن الزارع

ابن الزارع

فتى أحب ابنة الأمير عند الينبوع

صورة مرسومة لشخصية ابنة الأمير

ابنة الأمير

صبية اختارت الحب على مجد القصر

فصول عربية مصورة

حياة الحب

هلمي يا محبوبتي نمشِ بين الطلول، فقد ذابت الثلوج، وهبت الحياة من مراقدها وتمايلت في الأودية والمنحدرات. سيري معي لنتتبع آثار أقدام الربيع في الحقل البعيد. تعالي لنصعد إلى أعالي الربى ونتأمل في تموجات اخضرار السهول حولها.

ها قد نشر فجر الربيع ثوبًا طواه ليل الشتاء فاكتست به أشجار الخوخ والتفاح فظهرت كالعرائس في ليلة القدر، واستيقظت الكروم وتعانقت قضبانها كمعاشر العشاق، وجرت الجداول راقصة بين الصخور مرددة أغنية الفرح، وانبثقت الأزهار من قلب الطبيعة انبثاق الزبد من البحر.

تعالي لنشرب بقايا دموع المطر من كؤوس النرجس ونملأ نفسينا بأغاني العصافير المسرورة ونغتنم استنشاق عطر النسيمات.

لنجلس بقرب تلك الصخرة حيث يختبئ البنفسج ونتبادل قبلات المحبة.

في بستان الربيع
في بستان الربيعيمشي الحبيبان بين أشجار اللوز والتفاح المزهرة، قرب الغدير والبنفسج.

هيا بنا إلى الحقل يا حبيبتي فقد جاءت أيام الحصاد وبلغ الزرع مبلغه وأنضجته حرارة محبة الشمس للطبيعة. تعالي قبل أن تسبقنا الطيور فتستغل أتعابنا، وجماعة النمل فتأخذ أرضنا. هلمي نجنِ ثمار الأرض مثلما جنت النفس حبوب السعادة من بذور الوفاء التي زرعتها المحبة في أعماق قلبينا، ونملأ المخازن من نتاج العناصر كما ملأت الحياة أهراء عواطفنا.

هلمي يا رفيقتي نفترش الأعشاب ونلتحف السماء ونوسد رأسينا بضغث من القش الناعم فنرتاح من عمل النهار ونسمع مسامرة غدير الوادي.

لنذهب إلى الكرمة يا محبوبتي ونعصر العنب ونوعيه في الأجران مثلما توعي النفس حكمة الأجيال، ونجمع الأثمار اليابسة ونستقطر الأزهار ونستعيض عن العين بالأثر.

لنرجع نحو المساكن فقد اصفرت أوراق الأشجار ونثرها الهواء كأنه يريد أن يكفن بها أزهارًا قضت لوعة عندما ودعها الصيف. تعالي فقد رحلت الطيور نحو الساحل وحملت معها أنس الرياض وخلفت الوحشة للياسمين والسيسبان، فبكى باقي الدموع على أديم التراب.

نشفت دموع فرحها، والطلول خلعت باهي أثوابها. تعالي يا محبوبتي، فالطبيعة قد راودها النعاس فأمست تودع اليقظة بأغنية نهاوندية مؤثرة.

اقتربي يا شريكة حياتي، اقتربي مني ولا تدعي أنفاس الثلوج تفصل جسمينا. اجلسي بجانبي أمام هذا الموقد، فالنار فاكهة الشتاء الشهية. حدثيني بمآتي الأجيال، فأذناي قد تعبتا من تأوه الأرياح وندب العناصر. أوصدي الأبواب والنوافذ، فمرأى وجه الجو الغضوب يحزن نفسي والنظر إلى المدينة الجالسة كالثكلى تحت أطباق الثلوج يدمي قلبي. اسقي السراج زيتًا، يا رفيقة عمري، فقد أوشك أن ينطفئ، وضعيه بالقرب منك لأرى ما كتبته الليالي على وجهك. ائتي بجرة الخمر لنشرب ونذكر أيام العصر.

اقتربي، اقتربي مني يا حبيبة نفسي فقد خمدت النار وكاد الرماد يخفيها. ضميني فقد انطفأ السراج وتغلبت عليه الظلمة. ها قد أثقلت أعيننا خمرة السنين. ارمقيني بعين كحلها النعاس. عانقيني قبل أن يعانقنا الكرى. قبليني فالثلج قد تغلب على كل شيء إلا قبلتك. آه يا حبيبتي ما أعمق بحر النوم. آه ما أبعد الصباح في هذا العالم.

تابع القراءة، النص 2

حكاية

على ضفة ذلك النهر، في ظل أشجار الجوز والصفصاف، جلس ابن زراع يتأمل في المياه الجارية بسكينة وهدوء. فتى ربي بين الحقول حيث يتكلم كل شيء عن الحب، حيث الأغصان تتعانق، والأزهار تتمايل، والطيور تتشبب، حيث الطبيعة بأسرها تكرز بالروح. ابن عشرين رأى بالأمس على الينبوع صبية جالسة بين الصبايا فأحبها، ثم علم أنها ابنة الأمير فلام قلبه وشكا نفسه إلى نفسه، لكن الملامة لا تميل بالقلب عن الحب، والعذل لا يصرف النفس عن الحقيقة، والإنسان بين قلبه ونفسه كغصن لين في مهب ريح الجنوب وريح الشمال. نظر الفتى فرأى زهرة البنفسج قد نبتت بقرب زهرة الأقحوان ثم سمع الهزار يناجي الشحرور، فبكى لوحدته وانفراده، ثم مرت ساعات حبه أمام عينيه مرور الأشباح فقال وعواطفه تسيل مع كلماته ودموعه:

هو ذا الحب يستهزئ بي. ها قد جعلني سخرية وقادني إلى حيث الآمال تعد عيوبًا والأماني مذلة. الحب الذي عبدته قد رفع قلبي إلى قصر الأمير وخفض منزلتي إلى كوخ الزارع، وسار بنفسي إلى جمال حورية تحيط بها الرجال ويحميها الشرف الرفيع. أنا طائع أيها الحب فماذا تريد؟ قد اتبعتك على سبل نارية فلذعني اللهيب. قد فتحت عيني فلم أر غير الظلمة، وأطلقت لساني فلم أتكلم بغير الأسى. قد عانقني الشوق أيها الحب بمجاعة روحية لن تزول بغير قبل الحبيب. أنا ضعيف أيها الحب فلم تخاصمني وأنت القوي؟ لماذا تظلمني وأنت العادل وأنا البريء؟ لماذا تذلني ولم يكن غيرك ناصري؟ لماذا تتخلى عني وأنت موجدي؟ إن جرى دمي بغير مشيئتك فأهرقه، وإن تحركت قدماي على غير طرقك فشلها. افعل مشيئتك بهذا الجسد وخل نفسي تفرح بهذه الحقول المستأمنة بظل جناحيك. الجداول تسير إلى حبيبها البحر، والأزهار تبتسم لعشيقها النور، والغيوم تهبط نحو مريدها الوادي، وأنا وبي ما لا تعرفه الجداول ولا تسمع به الأزهار ولا تدركه الغيوم قد رأيتني وحيدًا في محبتي، منفردًا في غرامي، بعيدًا عن التي لا تريدني جنديًا في كتائب أبيها ولا ترضاني خادمًا في قصرها.

وسكت الفتى هنيهة كأنه يريد أن يتعلم الكلام من خرير النهر وحفيف أوراق الغصون ثم عاد فقال:

وأنت يا من أخاف من اسمها أن أدعوها باسمها، أيتها المحجوبة عني بستائر العظمة وجدران الجلال، أيتها الحورية التي لا أطمع بلقائها إلا في الأبدية حيث المساواة، يا من تطيعها الصوارم وتنحني أمامها الرقاب وتنفتح لها الخزائن والمساجد. قد ملكت قلبًا قدسه الحب واستعبدت نفسًا شرفها الله وخلبت عقلًا كان بالأمس حرًا بحرية هذه الحقول فصار اليوم أسيرًا بقيود هذا الغرام. رأيتك أيتها الجميلة فعرفت سبب مجيئي إلى هذا العالم، ولما عرفت رفعة منزلتك ونظرت إلى حقارتي علمت أن للآلهة أسرارًا لا يعرفها الإنسان وسبلًا تذهب بالأرواح إلى حيث المحبة تقضي بغير الشرائع البشرية. أيقنت لما نظرت إلى عينيك أن هذه الحياة فردوس بابه القلب البشري، ولما رأيت شرفك وذلي يتصارعان صراع مارد ورئبال علمت أن هذه الأرض لم تعد وطنًا لي. ظننت لما وجدتك جالسة بين نسائك، كالوردة بين الرياحين، أن عروس أحلامي قد تجسدت وصارت بشرًا مثلي، ولما تخبرت مجد أبيك وجدت أن دون اجتناء الورد أشواكًا تدمي الأصابع، وأن ما تجمعه الأحلام تفرقه اليقظة.

وقام إذ ذاك ومشى نحو الينبوع منخفض الجناح، كسير القلب، مجسمًا الأسى والقنوط بهذه الكلمات:

تعال يا موت وأنقذني، فالأرض التي تخنق أشواكها أزهارها لا تصلح للسكن. هلم وخلصني من أيام تخلع الحب عن كرسي مجده وتقيم الشرف العالمي مكانه. خلصني يا موت، فالأبدية أجدر بلقاء المحبين من هذا العالم. هناك يا موت أنتظر حبيبتي وهناك أجتمع بها.

بلغ الينبوع وقد جاء المساء وأخذت الشمس تلم وشاحها الذهبي عن الحقل، فجلس يذرف الدموع على حضيض وطئته أقدام ابنة الأمير وقد حنى رأسه على صدره كأنه يمنع قلبه عن الخروج.

في تلك الدقيقة ظهرت من وراء أشجار الصفصاف صبية تجر أذيالها على الأعشاب، ووقفت بجانب الفتى ووضعت يدها الحريرية على رأسه، فنظر إليها نظرة نائم أيقظه شعاع الشمس. فرأى ابنة الأمير واقفة حذاءه فجثا على ركبتيه مثلما فعل موسى عندما رأى العليقة مشتعلة أمامه، ولما أراد الكلام ارتج عليه فنابت عيناه الطافحتان بالدمع عن لسانه.

عند الينبوع
عند الينبوعتخرج ابنة الأمير من وراء الصفصاف، وتضع يدها على رأس ابن الزارع الحزين.

ثم عانقته الصبية وقبلت شفتيه، وقبلت عينيه راشفة المدامع السخينة وقالت بصوت ألطف من نغمة الناي:

قد رأيتك يا حبيبي في أحلامي ونظرت وجهك في وحدتي وانقطاعي، فأنت رفيق نفسي الذي فقدته ونصفي الجميل الذي انفصلت عنه عندما حكم علي بالمجيء إلى هذا العالم. قد جئت سرًا يا حبيبي لألتقي بك وها أنت الآن بين ذراعي، فلا تجزع. قد تركت مجد والدي لأتبعك إلى أقاصي الأرض وأشرب معك كأس الحياة والموت. قم يا حبيبي فنذهب إلى البرية البعيدة عن الإنسان.

ومشى الحبيبان بين الأشجار تخفيهما ستائر الليل، ولا يخيفهما بطش الأمير ولا أشباح الظلمة.

هناك في أطراف البلاد عثر رواد الأمير على هيكلين بشريين، في عنق أحدهما قلادة ذهبية وبقربها حجر كتبت عليه هذه الكلمات:

قد جمعنا الحب فمن يفرقنا، وأخذنا الموت فمن يرجعنا.

تابع القراءة، النص 3

في مدينة الأموات

تملصت بالأمس من غوغاء المدينة وخرجت أمشي في الحقول الساكنة حتى بلغت أكمة عالية ألبستها الطبيعة أجمل حلاها. فوقفت وقد بانت المدينة بكل ما فيها من البنايات الشاهقة والقصور الفخمة تحت غيمة كثيفة من دخان المعامل.

جلست أتأمل عن بعد في أعمال الإنسان فوجدت أكثرها عناء، فحاولت في قلبي ألا أفتكر بما صنعه ابن آدم وحولت عيني نحو الحقل، كرسي مجد الله، فرأيت في وسطه مقبرة ظهرت فيها الأجداث الرخامية المحاطة بأشجار السرو. هناك بين مدينة الأحياء ومدينة الأموات جلست أفكر، أفكر في كيفية العراك المستمر والحركة الدائمة في هذه، وفي السكينة السائدة والهدوء المستقر في تلك. من الجهة الواحدة آمال وقنوط، ومحبة وبغضة، وغنى وفقر، واعتقاد وجحود، ومن الأخرى تراب في تراب تقلب الطبيعة بطنه ظاهرًا وتبدع منه نباتًا ثم حيوانًا، وكل ذلك يتم في سكينة الليل.

بينا أنا مستسلم لعوامل هذه التأملات استلفت ناظري جمع غفير يسير الهوينى تتقدمه الموسيقى وتملأ الجو ألحانًا محزنة. موكب جمع بين الفخامة والعظمة وآلف بين أشكال الناس. جنازة غني قوي، رفات ميت تتبعها الأحياء وهم يبكون ويولولون ويبثون بالهواء الصراخ والعويل.

بلغوا الجبانة فاجتمع الكهان يصلون ويبخرون، وانفرد الموسيقيون ينفخون الأبواق. وبعد قليل انبرى الخطباء فأبنوا الراحل بمنتقيات الكلام، ثم الشعراء فرثوه بمنتخبات المعاني، وكل ذلك كان يتم بتطويل ممل. وبعد قليل انقشع الجمع عن جدث تسابق في صنعه الحفارون والمهندسون وحوله أكاليل الأزهار المنمقة بأيدي المتفننين.

رجع الموكب نحو المدينة وأنا أنظر من بعيد وأفتكر.

ومالت الشمس نحو الغروب واستطالت خيالات الصخور والأشجار وأخذت الطبيعة تخلع أثواب النور.

في تلك الدقيقة نظرت فرأيت رجلين يقلان تابوتًا خشبيًا ووراءهما امرأة ترتدي أطمارًا بالية وهي حاملة على منكبيها طفلًا رضيعًا، وبجانبها كلب ينظر إليها تارة وإلى التابوت أخرى. جنازة فقير حقير وراءها زوجة تذرف دموع الأسى وطفل يبكي لبكاء أمه وكلب أمين يسير وفي مسيره حزن وكآبة.

وصل هؤلاء إلى المقبرة وأودعوا التابوت حفرة في زاوية بعيدة عن الأجداث الرخامية، ثم رجعوا بسكينة مؤثرة والكلب يتلفت نحو محط رحال رفيقه حتى اختفوا عن بصري وراء الأشجار.

في مدينة الأموات
في مدينة الأمواتتتقابل جنازة الغني البعيدة مع دفن الفقير الهادئ عند غروب الشمس.

فالتفت إذ ذاك نحو مدينة الأحياء وقلت في نفسي: تلك للأغنياء الأقوياء. ثم نحو مدينة الأموات وقلت: هذه للأغنياء الأقوياء. فأين موطن الفقير الضعيف يا رب؟

قلت هذا ونظرت نحو الغيوم المتلبدة المتلونة أطرافها بذهب من أشعة الشمس الجميلة، وسمعت صوتًا من داخلي يقول: هناك.

صفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـمغامرات أليس في بلاد العجائبصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـترنيمة عيد الميلادصفحة مرسومة من الطبعة المصورة لـدراكولا

ابدأ مكتبتك.

أضف أي كتاب إلى مكتبتك وتابع القراءة. القراءة مجانية دائمًا.