ستوريتا
المقامة البغداديةبديع الزمان الهمذاني

أدب عربي أصيل

المقامة البغدادية

بقلم بديع الزمان الهمذاني

يخرج عيسى بن هشام بلا درهم، فيصنع من مصادفة في سوق الكرخ وليمة لا يدفع ثمنها.

ابدأ القراءة

الشخصيات

شخصيات المقامة

صورة مرسومة لشخصية عيسى بن هشام

عيسى بن هشام

راوي المقامة وصاحب الحيلة

صورة مرسومة لشخصية أبو عبيد

أبو عبيد

رجل من السواد يقع في الحيلة

صورة مرسومة لشخصية الشواء

الشواء

صاحب الطعام الذي يطالب بثمنه

المشهد 1

صيد في الكرخ

حدثنا عيسى بن هشام قال: اشتهيت الأزاد، وأنا ببغداد، وليس معي عقد على نقد، فخرجت أنتهز محاله حتى أحلني الكرخ، فإذا أنا بسوادي يسوق بالجهد حماره، ويطرف بالعقد إزاره، فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحياك الله أبا زيد، من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت؟ وهلم إلى البيت.

فقال السوادي: لست بأبي زيد، ولكني أبو عبيد، فقلت: نعم، لعن الله الشيطان، وأبعد النسيان، أنسانيك طول العهد، واتصال البعد، فكيف حال أبيك؟ أشاب كعهدي، أم شاب بعدي؟ فقال: قد نبت الربيع على دمنته، وأرجو أن يصيره الله إلى جنته، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومددت يد البدار، إلى الصدار، أريد تمزيقه، فقبض السوادي على خصري بجمعه، وقال: نشدتك الله لا مزقته.

مصادفة في الكرخ
مصادفة في الكرخيتظاهر عيسى بن هشام بمعرفة أبي عبيد، ويستدرجه إلى السوق باسم أبي زيد.

فقلت: هلم إلى البيت نصب غداء، أو إلى السوق نشتري شواء، والسوق أقرب، وطعامه أطيب، فاستفزته حمة القرم، وعطفته عاطفة اللقم، وطمع، ولم يعلم أنه وقع.

المشهد 2

الشواء والحلوى

ثم أتينا شواء يتقاطر شواؤه عرقا، وتتسايل جواذباته مرقا، فقلت: افرز لأبي زيد من هذا الشواء، ثم زن له من تلك الحلواء، واختر له من تلك الأطباق، وانضد عليها أوراق الرقاق، ورش عليه شيئا من ماء السماق، ليأكله أبو زيد هنيئا.

فأنخى الشواء بساطوره، على زبدة تنوره، فجعلها كالكحل سحقا، وكالطحن دقا، ثم جلس وجلست، ولا يئس ولا يئست، حتى استوفينا.

وقلت لصاحب الحلوى: زن لأبي زيد من اللوزينج رطلين، فهو أجرى في الحلوق، وأمضى في العروق، وليكن ليلي العمر، يومي النشر، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤي الدهن، كوكبي اللون، يذوب كالصمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيئا. قال: فوزنه ثم قعد وقعدت، وجرد وجردت، حتى استوفيناه.

عند الشواء
عند الشواءتمتلئ المائدة بالشواء والرقاق واللوزينج، ولا يعرف أبو عبيد من سيدفع الحساب.

المشهد 3

ثمن الوليمة

ثم قلت: يا أبا زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصارة، ويفثأ هذه اللقم الحارة، اجلس يا أبا زيد حتى نأتيك بسقاء، يأتيك بشربة ماء. ثم خرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني أنظر ما يصنع.

فلما أبطأت عليه قام السوادي إلى حماره، فاعتلق الشواء بإزاره، وقال: أين ثمن ما أكلت؟ فقال أبو زيد: أكلته ضيفا، فلكمه لكمة، وثنى عليه بلطمة، ثم قال الشواء: هاك، ومتى دعوناك؟ زن يا أخا القحة عشرين.

فجعل السوادي يبكي ويحل عقده بأسنانه ويقول: كم قلت لذاك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد، فأنشدت: أعمل لرزقك كل آله، لا تقعدن بكل حاله، وانهض بكل عظيمة، فالمرء يعجز لا محاله.

انكشاف الحيلة
انكشاف الحيلةيتوارى عيسى بن هشام، ويمسك الشواء بإزار أبي عبيد مطالبا بثمن الوليمة.