
الراوي الشاب
شاب حساس يفتح الحب أمام روحه
الأجنحة المتكسرةجبران خليل جبرانأدب عربي أصيل
بقلم جبران خليل جبران
من جبال لبنان إلى ربيع بيروت، يستعيد جبران اللحظة التي فتحت الحب أمام روحه.
ابدأ القراءةالشخصيات

شاب حساس يفتح الحب أمام روحه

صديق والد الراوي، كريم القلب

ابنة فارس، رقيقة وعميقة الروح
الفصل 1
أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه، متأسفين على انقضائه، أما أنا فأذكره مثلما يذكر الحر المعتوق جدران سجنه وثقل قيوده. أنتم تدعون تلك السنين التي تجيء بين الطفولية والشباب عهدًا ذهبيًا يهزأ بمتاعب الدهر وهواجسه ويطير مرفرفًا فوق رؤوس المشاغل والهموم مثلما تجتاز النحلة فوق المستنقعات الخبيثة، سائرة نحو البساتين المزهرة، أما أنا فلا أستطيع أن أدعو سني الصبا سوى عهد آلام خفية خرساء كانت تقطن قلبي وتثور كالعواصف في جوانبه، وتتكاثر نامية بنموه ولم تجد منفذًا تنصرف منه إلى عالم المعرفة حتى دخل إليه الحب وفتح أبوابه وأنار زواياه، فالحب قد أعتق لساني فتكلمت، ومزق أجفاني فبكيت، وفتح حنجرتي فتنهدت وشكوت.
أنتم أيها الناس تذكرون الحقول والبساتين والساحات وجوانب الشوارع التي رأت ألعابكم وسمعت همس طهركم، وأنا أيضًا أذكر تلك البقعة الجميلة من شمال لبنان، فما أغمضت عيني عن هذا المحيط إلا ورأيت تلك الأودية المملوءة سحرًا وهيبة، وتلك الجبال المتعالية بالمجد والعظمة نحو العلاء، ولا صممت أذني عن ضجة هذا الاجتماع إلا وسمعت خرير تلك السواقي وحفيف تلك الغصون. ولكن هذه المحاسن التي أذكرها الآن وأشوق إليها شوق الرضيع إلى ذراعي أمه هي التي كانت تعذب روحي المسجونة في ظلمة الحداثة، مثلما يتعذب البازي بين قضبان قفصه عندما يرى أسراب البزاة تسبح حرة في الخلاء الوسيع، وهي التي كانت تملأ صدري بأوجاع التأمل ومرارة التفكير، وتنسج بأصابع الحيرة والالتباس نقابًا من اليأس والقنوط حول قلبي. فلم أذهب إلى البرية إلا وعدت منها كئيبًا جاهلًا أسباب الكآبة، ولا نظرت مساء إلى الغيوم المتلونة بأشعة الشمس إلا وشعرت بانقباض متلف ينمو لجهلي معاني الانقباض، ولا سمعت تغريدة الشحرور أو أغنية الغدير إلا ووقفت حزينًا لجهلي موحيات الحزن.

يقولون إن الغباوة مهد الخلو والخلو مرقد الراحة، وقد يكون ذلك صحيحًا عند الذين يولدون أمواتًا ويعيشون كالأجساد الهامدة الباردة فوق التراب، ولكن إذا كانت الغباوة العمياء قاطنة في جوار العواطف المستيقظة تكون الغباوة أقسى من الهاوية وأمر من الموت. والصبي الحساس الذي يشعر كثيرًا ويعرف قليلًا هو أتعس المخلوقات أمام وجه الشمس، لأن نفسه تظل واقفة بين قوتين هائلتين متباينتين: قوة خفية تحلق به السحاب وتريه محاسن الكائنات من وراء ضباب الأحلام، وقوة ظاهرة تقيده بالأرض وتغمر بصيرته بالغبار وتتركه ضائعًا خائفًا في ظلمة حالكة.
للكآبة أياد حريرية الملامس، قوية الأعصاب، تقبض على القلوب وتؤلمها بالوحدة. فالوحدة حليفة الكآبة كما أنها أليفة كل حركة روحية. ونفس الصبي المنتصبة أمام عوامل الوحدة وتأثيرات الكآبة شبيهة بالزنبقة البيضاء عند خروجها من الكمام، ترتعش أمام النسيم، وتفتح قلبها لأشعة الفجر، وتضم أوراقها بمرور خيالات المساء. فإن لم يكن للصبي من الملاهي ما يشغل فكرته، ومن الرفاق من يشاركه في الأميال، كانت الحياة أمامه كحبس ضيق لا يرى في جوانبه غير أنوال العناكب ولا يسمع من زواياه سوى دبيب الحشرات.
أما تلك الكآبة التي اتبعت أيام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاهي لأنها كانت متوفرة لدي، ولا عن افتقاري إلى الرفاق لأنني كنت أجدهم أينما ذهبت، بل هي من أعراض علة طبيعية في النفس كانت تحبب إلي الوحدة والانفراد، وتميت في روحي الأميال إلى الملاهي والألعاب، وتخلع عن كتفي أجنحة الصبا، وتجعلني أمام الوجود كحوض مياه بين الجبال يعكس بهدوئه المحزن رسوم الأشباح وألوان الغيوم وخطوط الأغصان، ولكنه لا يجد ممرًا يسير فيه جدولًا مترنمًا إلى البحر.
هكذا كانت حياتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة، فتلك السنة هي من ماضي بمقام القمة من الجبل، لأنها أوقفتني متأملًا تجاه هذا العالم، وأرتني سبل البشر، ومروج أميالهم، وعقبات متاعبهم، وكهوف شرائعهم وتقاليدهم.
في تلك السنة ولدت ثانية، والمرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخض به اليأس، وتضعه المحبة في مهد الأحلام، تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان.
في تلك السنة شاهدت ملائكة السماء تنظر إلي من وراء أجفان امرأة جميلة، وفيها رأيت أبالسة الجحيم يضجون ويتراكضون في صدر رجل مجرم. ومن لا يشاهد الملائكة والشياطين في محاسن الحياة ومكروهاتها يظل قلبه بعيدًا عن المعرفة ونفسه فارغة من العواطف.
الفصل 2
كنت في بيروت في ربيع تلك السنة المملوءة بالغرائب، وكان نيسان قد أنبت الأزهار والأعشاب فظهرت في بساتين المدينة كأنها أسرار تعلنها الأرض للسماء. وكانت أشجار اللوز والتفاح قد اكتست بحلل بيضاء معطرة فبانت بين المنازل كأنها حوريات بملابس ناصعة قد بعثت بهن الطبيعة عرائس وزوجات لأبناء الشعر والخيال.
الربيع جميل في كل مكان، ولكنه أكثر من جميل في سوريا. الربيع روح إله غير معروف تطوف في الأرض مسرعة، وعندما تبلغ سوريا تسير ببطء متلفتة إلى الوراء، مستأنسة بأرواح الملوك والأنبياء الحائمة في الفضاء، مترنمة مع جداول اليهودية بأناشيد سليمان الخالدة، مرددة مع أرز لبنان تذكارات المجد القديم.
وبيروت في الربيع أجمل منها فيما بقي من الفصول، لأنها تخلو فيه من أوحال الشتاء وغبار الصيف، وتصبح بين أمطار الأول وحرارة الثاني كصبية حسناء قد اغتسلت بمياه الغدير، ثم جلست على ضفته تجفف جسدها بأشعة الشمس.
ففي يوم من تلك الأيام المفعمة بأنفاس نيسان المسكرة وابتساماته المحيية، ذهبت لزيارة صديق يسكن بيتًا بعيدًا عن ضجة الاجتماع. وبينما نحن نتحدث راسمين بالكلام خطوط آمالنا وأمانينا دخل علينا شيخ جليل في الخامسة والستين من عمره، تدل ملابسه البسيطة وملامحه المتجعدة على الهيبة والوقار، فوقفت احترامًا، وقبيل أن أصافحه مسلمًا تقدم صديقي وقال: «حضرته فارس أفندي كرامة»، ثم لفظ اسمي مشفوعًا بكلمة ثناء. فأحدق بي الشيخ هنيهة لامسًا بأطراف أصابعه جبهته العالية المكللة بشعر أبيض كالثلج، كأنه يريد أن يسترجع إلى ذاكرته صورة شيء قديم مفقود، ثم ابتسم ابتسامة سرور وانعطاف واقترب مني قائلًا: «أنت ابن صديق حبيب قديم صرفت ربيع العمر برفقته، فما أعظم فرحي بمرآك، وكم أنا مشتاق إلى لقاء أبيك بشخصك».
فتأثرت لكلامه وشعرت بجاذب خفي يدنيني إليه بطمأنينة، مثلما تقود الغريزة العصفور إلى وكره قبيل مجيء العاصفة. ولما جلسنا أخذ يقص علينا أحاديث صداقته لوالدي، متذكرًا أيام الشباب التي صرفها بقربه، تاليًا على مسامعنا أخبار أعوام قضت فكفنها الدهر بقلبه وقبرها في صدره. إن الشيوخ يرجعون بالفكر إلى أيام شبابهم رجوع الغريب المشتاق إلى مسقط رأسه، ويميلون إلى سرد حكايات الصبا ميل الشاعر إلى تنغيم أبلغ قصائده، فهم يعيشون بالروح في زوايا الماضي الغابر، لأن الحاضر يمر بهم ولا يلتفت، والمستقبل يبدو لأعينهم متشحًا بضباب الزوال وظلمة القبر.

وبعد ساعة مرت بين الأحاديث والتذكارات مرور ظل الأغصان على الأعشاب، وقف فارس كرامة للانصراف، ولما دنوت منه مودعًا أخذ يدي بيمينه ووضع شماله على كتفي قائلًا: «أنا لم أر والدك منذ عشرين سنة، ولكنني أرجو أن أستعيض عن بعاده الطويل بزياراتك الكثيرة».
فانحنيت شاكرًا واعدًا بتتميم ما يجب على الابن نحو صديق أبيه.
ولما خرج فارس كرامة استزدت صاحبي من أخباره، فقال بلهجة يساورها التحذر: «لا أعرف رجلًا سواه في بيروت قد جعلته الثروة فاضلًا والفضيلة مثريًا. هو واحد من القليلين الذين يجيئون هذا العالم ويغادرونه قبل أن يلامسوا بالأذى نفس مخلوق، ولكن هؤلاء الرجال يكونون غالبًا تعساء مظلومين، لأنهم يجهلون سبل الاحتيال التي تنقذهم من مكر الناس وخبثهم. ولفارس كرامة ابنة وحيدة تسكن معه منزلًا فخمًا في ضاحية المدينة، وهي تشابهه بالأخلاق، وليس بين النساء من يماثلها رقة وجمالًا، وهي أيضًا ستكون تاعسة، لأن ثروة والدها الطائلة توقفها الآن على شفير هاوية مظلمة مخيفة».
لفظ صديقي الكلمات الأخيرة وظهرت على محياه لوائح الغم والأسف، ثم زاد قائلًا: «فارس كرامة شيخ شريف القلب كريم الصفات، ولكنه ضعيف الإرادة يقوده رياء الناس كالأعمى وتوقفه مطامعهم كالأخرس. أما ابنته فتخضع ممتثلة لإرادته الواهنة على رغم كل ما في روحها الكبيرة من القوى والمواهب، وهذا هو السر الكريه الكامن وراء حياة الوالد وابنته. وقد فهم هذا السر رجل يأتلف في شخصه الطمع بالرياء والخبث بالدهاء، وهذا الرجل هو مطران تسير قبائحه بظل الإنجيل فتظهر للناس كالفضائل. هو رئيس دين في بلاد الأديان والمذاهب، تخافه الأرواح والأجساد وتخر لديه ساجدة مثلما تنحني رقاب الأنعام أمام الجزار. ولهذا المطران ابن أخ تتصارع في نفسه عناصر المفاسد والمكاره، مثلما تتقلب العقارب والأفاعي على جوانب الكهوف والمستنقعات. وليس بعيدًا اليوم الذي ينتصب فيه المطران بملابسه الحبرية، جاعلًا ابن أخيه عن يمينه وابنة فارس كرامة عن شماله، رافعًا بيده الأثيمة أكاليل الزواج فوق رأسيهما، مقيدًا بسلاسل التكهين والتعزيم جسدًا طاهرًا بجيفة منتنة، جامعًا في قبضة الشريعة الفاسدة روحًا سماوية بذات ترابية، واضعًا قلب النهار في صدر الليل. هذا كل ما أستطيع أن أقوله لك الآن عن فارس كرامة وابنته، فلا تسلني أكثر من ذلك، لأن ذكر المصيبة يدنيها مثلما يقرب الموت الخوف من الموت».
وحول صديقي وجهه ونظر من النافذة إلى الفضاء كأنه يبحث عن أسرار الأيام والليالي بين دقائق الأثير.
فقمت إذ ذاك من مكاني، ولما أخذت يده مودعًا قلت له: «غدًا أزور فارس كرامة قيامًا بوعدي له واحترامًا للتذكارات التي أبقتها صداقته لوالدي».
فبهت بي الشاب دقيقة وقد تغيرت ملامحه، كأن كلماتي القليلة البسيطة قد أوحت إليه فكرًا جديدًا هائلًا، ثم نظر في عيني نظرة طويلة غريبة، نظرة محبة وشفقة وخوف، نظرة نبي يرى في أعماق الأرواح ما لا تعرفه الأرواح. ثم ارتعشت شفتاه قليلًا، ولكنه لم يقل شيئًا، فتركته وسرت نحو الباب بأفكار متضعضعة، وقبيل أن ألتفت إلى الوراء رأيت عينيه ما زالتا تتبعانني بتلك النظرة الغريبة، تلك النظرة التي لم أفهم معانيها حتى أعتقت نفسي من عالم المقاييس والكمية، وطارت إلى مسارح الملأ الأعلى حيث تتفاهم القلوب بالنظرات وتنمو الأرواح بالتفاهم.
الفصل 3
وبعد أيام، وقد مللت الوحدة وتعبت أجفاني من النظر إلى أوجه الكتب العابسة، علوت مركبة طالبًا منزل فارس كرامة، حتى إذا ما بلغت بي غابة الصنوبر حيث يذهب القوم للتنزه، حول السائق وجهة فرسيه عن الطريق العمومية، فسار خببًا على ممر تظلله أشجار الصفصاف، وتتمايل على جانبيه الأعشاب والدوالي المتعرشة وأزاهر نيسان المبتسمة بثغور حمراء كالياقوت، وزرقاء كالزمرد، وصفراء كالذهب.
وبعد دقيقة وقفت المركبة أمام منزل منفرد تحيط به حديقة مترامية الأطراف، تتعانق في جوانبها الأغصان، وتعطر فضاءها رائحة الورد والفل والياسمين.

ما سرت بضع خطوات في تلك الحديقة حتى ظهر فارس كرامة في باب المنزل خارجًا للقائي، كأن هدير المركبة في تلك البقعة المنفردة قد أعلن له قدومي. فهش متأهلًا، وقادني مرحبًا إلى داخل الدار، ونظير والد مشتاق أجلسني بقربه يحدثني، مستفسرًا عن ماضي، مستطلعًا مقاصدي في مستقبلي. فكنت أجيبه بتلك اللهجة المفعمة بنغمة الأحلام والأماني التي يترنم بها الفتيان قبل أن تقذفهم أمواج الخيال إلى شاطئ العمل حيث الجهاد والنزاع. للشبيبة أجنحة ذات ريش من الشعر وأعصاب من الأوهام، ترتفع بالفتيان إلى ما وراء الغيوم، فيرون الكيان مغمورًا بأشعة متلونة بألوان قوس قزح، ويسمعون الحياة مرتلة أغاني المجد والعظمة، ولكن تلك الأجنحة الشعرية لا تلبث أن تمزقها عواصف الاختبار، فيهبطون إلى عالم الحقيقة. وعالم الحقيقة مرآة غريبة يرى فيها المرء نفسه مصغرة مشوهة.
في تلك الدقيقة ظهرت من بين ستائر الباب المخملية صبية ترتدي أثوابًا من الحرير الأبيض الناعم، ومشت نحوي ببطء، فوقفت ووقف الشيخ قائلًا: «هذه ابنتي سلمى». وبعد أن لفظ اسمي شفعه بقوله: «إن ذاك الصديق القديم الذي حجبته عني الأيام قد عادت فأبانته لي بشخص ابنه، فأنا أراه الآن ولا أراه». فتقدمت الصبية إلي، وحدقت إلى عيني، كأنها تريد أن تستنطقهما عن حقيقة أمري، وتعلم منهما أسباب مجيئي إلى ذلك المكان، ثم أخذت يدي بيد تضارع زنبقة الحقل بياضًا ونعومة، فأحسست عند ملامسة الأكف بعاطفة غريبة جديدة أشبه شيء بالفكر الشعري عند ابتداء تكوينه في مخيلة الكاتب.

جلسنا جميعًا ساكتين، كأن سلمى قد أدخلت معها إلى تلك الغرفة روحًا علوية توعز الصمت والتهيب، وكأنها شعرت بذلك فالتفتت نحوي وقالت مبتسمة: «كثيرًا ما حدثني والدي عن أبيك، معيدًا على مسمعي حكايات شبابهما، فإن كان والدك قد أسمعك تلك الوقائع فلا يكون هذا اللقاء هو الأول بيننا».
فسر الشيخ بكلمات ابنته، وانبسطت ملامحه، ثم قال: «إن سلمى روحية الميول والمذاهب، فهي ترى جميع الأشياء سابحة في عالم النفس».
وهكذا عاد فارس كرامة إلى محادثتي باهتمام كلي ورقة متناهية، كأنه وجد فيّ سرًا سحريًا يرجعه على أجنحة الذكرى إلى ربيع أيامه الغابرة.
كان ذلك الشيخ يحدق بي مسترجعًا أشباح شبابه، وأنا أتأمله حالمًا بمستقبلي. كان ينظر إلي مثلما تخيم أغصان الشجرة العالية المملوءة بمآتي الفصول فوق غرسة صغيرة مفعمة بعزم هاجع وحياة عمياء. شجرة مسنة راسخة الأعراق قد اختبرت صيف العمر وشتاءه، ووقفت أمام عواصف الدهر وأنوائه، وغرسة ضعيفة لينة لم تر غير الربيع، ولم ترتعش إلا بمرور نسيم الفجر.
أما سلمى فكانت ساكتة تنظر إلي تارة وطورًا إلى أبيها، كأنها تقرأ في وجهينا أول فصل من رواية الحياة وآخر فصل منها.
قضى ذلك النهار متنهدًا أنفاسه بين تلك الحدائق والبساتين، وغابت الشمس تاركة خيال قبلة صفراء على قمم لبنان المتعالية قبالة ذلك المنزل، وفارس كرامة يتلو علي أخباره فيذهلني، وأنا أترنم أمامه بأغاني شبيبتي فأطربه، وسلمى جالسة بقرب تلك النافذة تنظر إلينا بعينيها الحزينتين ولا تتحرك، وتسمع أحاديثنا ولا تتكلم، كأنها عرفت أن للجمال لغة سماوية تترفع عن الأصوات والمقاطع التي تحدثها الشفاه والألسنة. لغة خالدة تضم إليها جميع أنغام البشر، وتجعلها شعورًا صامتًا، مثلما تجتذب البحيرة الهادئة أغاني السواقي إلى أعماقها وتجعلها سكوتًا أبديًا. إن الجمال سر تفهمه أرواحنا وتفرح به وتنمو بتأثيراته، أما أفكارنا فتقف أمامه محتارة، محاولة تحديده وتجسيده بالألفاظ، ولكنها لا تستطيع. هو سيال خاف عن العين يتموج بين عواطف الناظر وحقيقة المنظور. الجمال الحقيقي هو أشعة تنبعث من قدس أقداس النفوس وتنير خارج الجسد، مثلما تنبثق الحياة من أعماق النواة وتكسب الزهرة لونًا وعطرًا. هو تفاهم كلي بين الرجل والمرأة يتم بلحظة، وبلحظة يولد ذلك الميل المترفع عن جميع الميول. ذلك الانعطاف الروحي الذي ندعوه حبًا. فهل فهمت روحي روح سلمى في عشية النهار، فجعلني التفاهم أن أراها أجمل امرأة أمام الشمس، أم هي سكرة الشبيبة التي تجعلنا نتخيل رسومًا وأشباحًا لا حقيقة لها؟ هل أعمتني الفتوة فتوهمت الأشعة في عيني سلمى، والحلاوة في ثغرها، والرقة في قدها، أم هي تلك الأشعة وتلك الحلاوة وتلك الرقة التي فتحت عيني لتريني أفراح الحب وأحزانه؟ لا أدري، ولكني أعلم بأنني شعرت بعاطفة لم أشعر بها قبل تلك الساعة. عاطفة جديدة تمايلت حول قلبي بهدوء يشابه رفرفة الروح على وجه الغمر قبل أن تبتدئ الدهور. ومن تلك العاطفة قد تولدت سعادتي وتعاستي، مثلما ظهرت وتناسخت الكائنات بإرادة ذلك الروح.
هكذا انقضت تلك الساعة التي جمعتني بسلمى للمرة الأولى، وهكذا شاءت السماء وأعتقتني على حين غفلة من عبودية الحيرة والحداثة لتسيرني حرًا في موكب المحبة. فالمحبة هي الحرية الوحيدة في هذا العالم، لأنها ترفع النفس إلى مقام سام لا تبلغه شرائع البشر وتقاليدهم، ولا تسوده نواميس الطبيعة وأحكامها.
ولما وقفت للانصراف اقترب مني فارس كرامة وقال بصوت تعانقه رنة الإخلاص: «الآن وقد عرفت الطريق إلى هذا المنزل، يجب أن تأتي إليه شاعرًا بالثقة التي تقودك إلى بيت أبيك، وأن تحسبني وسلمى كوالد وأخت لك. أليس كذلك يا سلمى؟».
فأحنت سلمى رأسها إيجابًا، ثم نظرت إلي نظرة غريب ضائع وجد رفيقًا يعرفه.
إن تلك الكلمات التي قالها لي فارس كرامة هي النغمة الأولى التي أوقفتني بجانب ابنته أمام عرش المحبة. هي استهلال الأغنية السماوية التي انتهت بالندب والرثاء. هي القوة التي شجعت روحينا فاقتربنا من النور والنار. هي الإناء الذي شربنا فيه الكوثر والعلقم.
وخرجت فشيعني الشيخ إلى أطراف الحديقة، فودعتهما وقلبي يخفق في داخلي مثلما ترتعش شفتا العطشان بملامسة حافة الكأس.