
قادرين
قرد مسن سريع البديهة
القرد والغيلمعبد الله بن المقفعأدب عربي أصيل
بقلم عبد الله بن المقفع
صداقة تبدأ بثمرة تين، ثم تحمل القرد فوق البحر إلى امتحان لا ينجيه منه إلا سرعة البديهة.
ابدأ القراءةالشخصيات

قرد مسن سريع البديهة

صديق القرد الذي يتردد بين الوفاء والخديعة

تطلب قلب القرد دواء لها

صاحب الحيلة في الحكاية المضمنة

يصدق الوعد بالمرعى بعد أن نجا مرة
المشهد 1
قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل المغتر بالعدو، والأريب المبدي التضرع والملق يريد بهما المكر والخديعة وما أصابه، فاضرب لي إن رأيت مثل الرجل الذي يطلب الحاجة حتى إذا ظفر بها أضاعها. قال الفيلسوف: إن إصابة الحاجة أهون من الاحتفاظ بها، ومن ظفر بأمر لم يحسن الاحتفاظ به أضاع ما أصاب، كالغيلم الذي طلب قلب القرد، فلما استمكن منه أضاعه. قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة من القرود كان لها ملك يقال له قادرين، فطال عمره حتى أنحله الهرم، ووثب عليه قرد شاب من شبان رهطه فقال: قد هرم هذا وليس يقوى على الملك ولا يصلح له. ووافقه على ذلك جنده، فنفوا الهرم عن ملكهم وملكوا الشاب. فانطلق الهرم حتى لحق بالساحل، فانتهى إلى شجرة من تين نابتة على حافة البحر، فجعل يأكل من تينها.
فسقطت من يده تينة في الماء، وفي الماء غيلم، وهو السلحفاة الذكر، عند مسقط التينة، فأخذها وأكلها. ولما سمع القرد للتين وقعا في الماء أعجبه ذلك، فأولع بإلقائه التين في الماء، وجعل الغيلم يأخذه فيأكله، ولا يشك أن القرد إنما يطرح ذلك التين من أجله. فخرج الغيلم إلى القرد، فتصافحا وتصافيا وتصادقا، وألف كل واحد منهما صاحبه.

فلبثا زمانا لا ينصرف الغيلم إلى أهله، وإن زوجة الغيلم حزنت لغيبة زوجها، فشكت ذلك إلى جارة لها قالت: قد خفت أن يكون عرض له عارض شر. قالت لها صديقتها: لا تحزني، فإنه قد بلغني أن زوجك بالساحل مع قرد قد ألفه، فهما يأكلان ويشربان جميعا، قد ألهاهما ذلك، فلذلك طالت غيبته عنك. فأنسيه إذ نسيك، ولا يهن عليك إذ هنت عليه، وإن استطعت أن تحتالي للقرد فتهلكيه فافعلي، فإن القرد إن هلك أقام عندك زوجك.
فأشحبت زوجة الغيلم لونها وضيعت نفسها حتى أصابتها نهكة شديدة وهزال. وإن الغيلم قال بعض حين: لآتين أهلي فقد طالت غيبتي. فأتى منزله فوجد زوجته سيئة الحال، فقال: يا حب، كيف أنت، وما لي أراك منهوكة؟ فلم تجبه، فأعاد عليها المسألة، فأجابت عنها جارتها فقالت: ما أشد حال زوجتك، أما مرضها فشديد، وأما دواؤها فلا يوجد، فهل لشدة الداء وعدم الدواء إلا الموت؟
فقال الزوج: فأخبريني بالدواء لعلي ألتمسه حيث كان. قالت: هذا المرض نحن معشر الغيلم أعلم به، وليس له دواء إلا أن يؤخذ له قلب قرد فيداوى به. قال الغيلم في نفسه: هذا أمر عسير، من أين أقدر على قلب قرد إلا قلب صديقي؟ أفأغدر بصديقي أم أهلك زوجتي؟ وكل ذلك لا عذر لي فيه.
ثم قال: إذا لم يستطع الرجل عظيما إلا باحتمال صغير كان حقيقا أن لا يلتفت إلى الصغير، وحق الزوجة عظيم، والمنافع فيها، والمعونة منها على أمور الدنيا والآخرة كثير، وأنا حقيق أن أوثرها ولا أضيع حقها. ثم غدا نحو القرد، وفي نفسه ما يريد به وهو هاجس، وهو يقول: إن إهلاكي أخا وفيا وصولا في سبب امرأة لمن الأمور التي يخاف عواقبها.
فمضى على ذلك حتى أتى القرد فحياه وقال له: ما حبسك يا أخي عني هذا الحبس؟ قال الغيلم: إن مما بطأني عنك، مع شوقي إليك، الحياء منك والاحتشام، لقلة مكافأتي إياك لحسن بلائك عندي ومعروفك إلي. فإني، وإن كنت قد عرفت أنك لا تلتمس مني جزاء لمعروفك، فإني على ذلك قد أرى حقا علي التماس مكافأتك. فأما أنت فإن خليقتك خليقة الكرام الذين ينيلون الخير من لم ينلهم إياه فيما مضى ولا يرجونه فيما بقي، الذين لا ينسون معروفا أبلوه ولا يستكثرون جزاء جزوا به، الذين يغنمون معونة المحتاج.
فقال القرد: لا تقولن لي هذا ولا تحتشمن مني، فإنك أنت الذي جمعت فيما بيني وبينك الأمرين جميعا، الابتداء بما يجب لك به المكافأة مني، ويحسن ما رأيت. ألم أسقط إليك من قومي طريدا شريدا وحيدا، فكنت لي سكنا وإلفا، أذهب الله بك عني الهم والحزن؟ قال الغيلم: إن أمورا ثلاثة يزداد بها لطف ما بين الإخوان واسترسال بعضهم إلى بعض، ولم يجر بيني وبينك من ذلك شيء، وقد أحببت أن يكون، منها الزيارة في الرحل، ومنها النظر في الأهل والحشم، ومنها المؤاكلة.
المشهد 2
قال القرد: إنما ينبغي للصديق أن يلتمس من صديقه ذات نفسه. فأما النظر في الأهل والحشم فإن اللعاب الذي يلعب على الخشبة ينظر إلى أهل كثير من الناس وحشمهم، وأما المؤاكلة فإن كثيرا من الخيل والبغال والحمير تجتمع في الأكل، وأما دخول الرجل فقد يدخل السارق إلى رحال معارفه. فلا يصل اللعاب الناس بنظره إليهم وإلى حشمهم، ولا الدواب بعضها بعضا لاجتماعها في الأكل، ولا اللصوص معارفهم بدخولهم رحالهم.
قال الغيلم: قد صدقت، لعمري ما يلتمس الصديق من صديقه إلا المودة. فأما من كان يلتمس منافع الدنيا فهو حقيق أن ينقطع ما بينه وبين إخوانه. وقد كان يقال: لا يكثرن الرجل على إخوانه حمل المؤونات حتى يؤذيهم ويبرمهم، فإن عجل البقرة إذا كثر مصه إياها وإفراطه أوشكت أن تصرفه وتنفيه. ولم أذكر ما ذكرت إلا لكوني أعرف منك الكرم والسعة في الخلق، ولكني قد أحببت أن تزورني في منزلي، فإني في جزيرة كثيرة الشجر طيبة الفواكه، فأسعفني بطلبتي واركب ظهري لتنطلق إلى منزلي.
فرغب القرد في ذكره الفواكه، وتابع الغيلم على ما سأل، وركب ظهره وسبح به الغيلم، حتى إذا لج به عرض في نفسه قبح ما يريد به وفجوره وغدره، ووقف مفكرا يقول في نفسه: إن الأمر الذي هممت به كفر وغدر، وما الإناث أهل أن يركب لهن الغدر واللوم، فإنهن لا يوثق بهن ولا يسترسل إليهن. وقد قيل: إن الذهب يعرف بالنار، وأمانة الرجل تعرف بالأخذ والإعطاء، وقوة الدواب بالحمل، والنساء ليس لهن شيء يعرفن به.

فلما رأى القرد احتباس الغيلم وأنه ليس يسبح ارتاب، وقال في نفسه: ما يحبس الغيلم وانتظاره إلا أمر، فما يؤمنني أن يكون قلبه قد تقلب وتغير لي، فازداد به سوءا؟ فقد علمت أنه لا شيء أحد من القلب ولا أسرع تغييرا وتقلبا منه. لا يغفلن العاقل عن التماس ما في نفس أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر، وفي كل لحظة وكلمة، وعند القيام والقعود، وعلى كل حال، فإن ذلك كله شاهد على ما في القلوب.
ثم قال للغيلم: ما يحبسك، وما لي أراك كأنك مهتم؟ قال: يهمني أنك تأتي منزلي فلا توافق كل أمري كالذي تشتهي، لأن زوجتي شديدة الوجع. قال القرد: لا تهتمن، فإن الهم لا يغني شيئا، والتمس لزوجتك الأدوية والأطباء، فإنه كان يقال: ليبذل ذو المال ماله في ثلاثة مواضع، في الصدقة إن أراد أجر الآخرة، وفي مصانعة السلطان إن أراد المنزلة في الدنيا، وفي النساء إن أراد رخاء العيش.
قال الغيلم: زعم الأطباء أنه لا دواء لها إلا قلب قرد. قال القرد في نفسه: واسوءتاه، لقد أورطني الحرص على كبر السن شر مورط. لقد صدق الذي قال: يعيش القانع الراضي آمنا مطمئنا مستريحا مريحا، وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب وخوف. وإذا فقد احتجت إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه. فقال للغيلم: ما منعك يا خليلي، إذ علمت هذا، أن تكون أعلمتني، فحملت قلبي معي؟ قال: وأين قلبك؟ قال: خلفته مكاني.
قال: وما حملك على ذلك؟ قال: سنة فينا معاشر القرود، إذا خرجنا لزيارة أصدقاء خلفنا قلوبنا لطرح الظنة عنا. فإن شئت آتيك به فعلت. ففرح الغيلم بطيب نفس القرد له عن قلبه، وانقلب به راجعا محثا، حتى إذا بلغ الساحل وثب القرد إلى الأرض، فسعى إلى الشجرة فرقاها. ولبث الغيلم ساعة، فلما أبطأ عليه ناداه: أعجل يا خليلي، احمل قلبك وانزل فقد حبستني. قال القرد: أراك تظن أني كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان. قال الغيلم: وكيف كان ذلك؟

المشهد 3
قال القرد: زعموا أن أسدا كان في أجمة، وكان معه ابن آوى يأكل من فضول صيده. فأصاب الأسد جرب شديد حتى ضعف وجهد، فلم يستطع الصيد. فقال ابن آوى للأسد: ما شأنك يا سيد السباع، قد تغيرت حالتك؟ قال: لهذا الجرب الذي ترى، وليس له دواء إلا أن أطلب أذن حمار وقلبه. قال ابن آوى: قد عرفت مكان حمار يجيء به قصار إلى مرج قريب منا، يحمل عليه ثيابه التي يغسلها، فإذا وضع عنه الثياب خلاه في المرج، فأنا أرجو أن آتيك به، ثم أنت أعلم بقلبه وأذنيه.
قال الأسد: فلا تؤخرن ذلك. فذهب ابن آوى حتى أتى الحمار فقال له: ما هذا الهزال الذي أراه بك، والدبر الذي بظهرك؟ قال الحمار: أنا لهذا القصار الخبيث، فهو يسيء علفي ويدأب عملي. قال ابن آوى: وكيف ترضى بهذا؟ قال: فما أصنع، وكيف أفلت من أيدي الناس؟ قال ابن آوى: أنا أدلك على مكان معتزل خصب المرعى لم يطأه الناس قط، وثم أتانة لم تنظر إلى مثلها قط، ذات حسن وخلق، وهي بها حاجة إلى الفحول.
فطرب الحمار وقال: ألا تنطلق بنا، فإني لو لم أرغب إلا في إخائك كان ذلك حاملي على الذهاب معك. فتوجها جميعا قبل الأسد، وتقدم ابن آوى فأخبره. فوثب الأسد على الحمار فلم يربطه، وانفلت الحمار. فقال ابن آوى للأسد: ما هذا الذي صنعت؟ إن كنت خليت الحمار عمدا، فلم عنيتني في طلبه؟ وإن كنت لم تربطه فقد هلكنا إن كان سيدنا لا يربط حمارا. فعرف الأسد أنه إن قال تركته عمدا سفهه، وإن قال لم أربطه ضعفه، فقال: إن أنت استطعت أن ترد الحمار إلي أخبرتك بما سألت عنه.
فقال ابن آوى: لقد جرب الحمار مني ما جرب، وإني لذلك لعائد إليه محتال له بما استطعت. فعاد إلى الحمار، فلما رآه قال له: ماذا الذي أردت بي؟ قال: أردت بك الخير، ولكن الذنب لإفراط الشبق، وإن التي وثبت عليك هي الأتانة التي أخبرتك عنها وأعلمتك أنك لم تر مثلها قط، وإنما وثبت عليك من شدة الشبق، فلو كنت أقررتها ساعة صارت تحتك، وما الذنب إلا شدة الوداق.

فلما سمع الحمار بالأتانة ثانية هاجت به الغلمة، فمضى به، ووثب عليه الأسد فافترسه. فلما أن فرغ الأسد من قتل الحمار قال لابن آوى: إنه وصف لي هذا الدواء، وأن أغتسل ثم آكل الأذنين والقلب، وأجعل ما سوى ذلك قربانا، فاحتفظ بالحمار حتى أغتسل ثم أرجع. فلما ولى الأسد عمد ابن آوى إلى أذني الحمار وقلبه فأكلهما، رجاء أن ينظر الأسد فلا يأكل بقية الحمار ولا يتقرب به.
فلما رجع الأسد قال: أين قلب الحمار وأذناه؟ قال ابن آوى: أوما شعرت أن الحمار لم يكن له قلب ولا أذنان، وأنهما لو كانا له لم يرجع إليك ثانية بعد إفلاته منك؟ فصدقه الأسد.
المشهد 4
قال القرد: وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أني لست كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان، وأنك احتلت بي وخدعتني، فجزيتك مثل خديعتك واستدركت ما كنت ضيعت من نفسي.
قال الغيلم: أنت الصادق البار، وقد علمت أن ذا العقل يقل الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بالزلة ويتبين الأمور قبل التقدم عليها، ويستقيل عثرة عمله بفعله، كالرجل الذي يعثر على الأرض وعلى الأرض ينهض ويعتمد. فهذا مثل طالب أمر حتى إذا استمكن منه أضاعه.