
خليل
فتى في الثانية والعشرين خرج من دير قزحيا
خليل الكافرجبران خليل جبرانأدب عربي أصيل
بقلم جبران خليل جبران
في ليلة ثلجية من ليالي شمال لبنان، يخرج خليل من دير قزحيا ويجد الرحمة في كوخ أرملة وابنتها.
ابدأ القراءةالشخصيات

فتى في الثانية والعشرين خرج من دير قزحيا

أرملة فقيرة ثابتة القلب

ابنة راحيل، صبية يقظة وشجاعة
القسم 1
كان الشيخ عباس بين سكان تلك القرية المنزوية في شمال لبنان كالأمير بين الرعية، وكان منزله القائم بين أكواخهم الحقيرة يشابه الجبار الواقف بين الأقزام. وكانت معيشته ممتازة عن معيشتهم بميزة السعة عن العوز، وأخلاقه مختلفة عن أخلاقهم باختلاف القوة عن الضعف.
إن تكلم الشيخ عباس بين أولئك الفلاحين أحنوا رؤوسهم إعجابًا كأن القوى العقلية قد انتدبته ممثلًا لها واتخذت لسانه ترجمانًا عنها، وإن غضب ارتجفوا جزعًا وتبددوا من أمام وجهه مثلما تتراكض أوراق الخريف أمام الأرياح، وإن صفع خد رجل منهم ظل ذلك الرجل جامدًا صامتًا كأن الضربة قد أتت من السماء، فمن الكفر أن يتجاسر أو يرفع عينيه ليرى من أنزلها. وإن تبسم لرجل آخر قال الجميع ما أسعده فتى رضي عنه الشيخ عباس.
ولم يكن استسلام أولئك المساكين إلى الشيخ عباس وخوفهم قساوته صادرين عن ضعفهم وقوته فقط، بل كانا ناتجين عن فقرهم واحتياجهم إليه، لأن الحقول التي كانوا يحرثونها والأكواخ التي يسكنونها كانت ملكه وقد ورثها عن أبيه وجده مثلما ورثوا الفقر والتعاسة من آبائهم وجدودهم، فكانوا يفلحون الأرض ويزرعونها ويحصدونها تحت مراقبته ولا يحصلون لقاء أتعابهم وجهادهم إلا على جزء من الغلة لا يكاد ينقذهم من أظافر الجوع. قد كان أكثرهم يحتاج الخبز قبل انقضاء أيام الشتاء الطويلة فيذهب إليه الواحد بعد الآخر ويتضرع أمامه باكيًا مستعطفًا لكي يقرضه دينارًا أو مكيالًا من الحنطة، فكان الشيخ عباس يجيب سؤالهم مسرورًا لعلمه بأنه سيستوفي الدينار دينارين ومكيال الحنطة مكيالين عندما تجيء أيام البيادر والموسم. وهكذا كان يبقى أولئك التعساء مثقلين بديون الشيخ عباس، مكبلين بحاجتهم إليه، خائفين غضبه، طالبين رضاه.

القسم 2
قدم الشتاء بثلوجه وعواصفه، وخلت الحقول والأودية إلا من الغربان الناعية والأشجار العارية، فلزم سكان تلك القرية أكواخهم بعد أن أشبعوا أهراء الشيخ عباس من الغلة وملأوا آنيته من عصير الكروم، وأصبحوا ولا عمل لهم يفنون الحياة بجانب المواقد متذكرين مآتي الأجيال الغابرة، مرددين على مسامع بعضهم حكايات الأيام والليالي.
انقضى كانون الأول وقضى العام العجوز متنهدًا أنفاسه الأخيرة في الفضاء الرمادي، وجاءت الليلة التي يتوج فيها الدهر رأس عام الطفل ويجلسه على عرش الوجود.
توارى النور الضئيل وغمرت الظلمة البطاح والأودية، وابتدأت الثلوج تنهمر بغزارة والعواصف تصفر وتتسارع ملعلعة من أعالي الجبال نحو المنخفضات، حاملة الثلوج لتخزنها في الوهاد، فترتعش لهولها الأشجار وتتململ أمامها الأرض. فمزجت الأرياح بين ما تساقط من الثلج في ذلك النهار والساقط منه في تلك الليلة حتى أصبحت الحقول والطلول والممرات كصفحة واحدة بيضاء يكتب عليها الموت سطورًا مبهمة ثم يمحوها. وفصل الضباب بين القرى المنثورة على كتفي الوادي، وتوارت الأنوار الضئيلة التي كانت تشعشع في نوافذ البيوت والأكواخ الحقيرة، وقبضت الرعبة على نفوس الفلاحين، وانزوت البهائم بقرب المعالف، واختبأت الكلاب في القراني، ولم يبق سوى الريح تخطب وتضج على مسامع الكهوف والمغاير، فيتصاعد صوتها الرهيب من أعماق الوادي تارة وطورًا ينقض من أعالي قمم الجبال، فكأن الطبيعة قد غضبت لموت العام العجوز فقامت تأخذ بثأره من الحياة المختبئة في الأكواخ وتحاربها بالبرد القارس والزمهرير الشديد.
ففي هذه الليلة الهائلة وتحت هذا الجو الثائر كان فتى في الثانية والعشرين من عمره يسير على الطريق المتصاعدة بتدرج من دير قزحيا إلى قرية الشيخ عباس، وقد يبس البرد مفاصله وانتزع الجوع والخوف قواه وأخفت الثلوج ثوبه الأسود كأنها تريد أن تكفنه قبل أن تميته. فكان يخطو إلى الأمام والأرياح تصده وترجعه إلى الوراء كأنها أبت أن تراه في منازل الأحياء، وتتشبث الطريق الوعرة بأقدامه فيسقط ثم ينهض ثم يصرخ بأعلى صوته مستغيثًا، ثم يخرسه البرد فيقف صامتًا مرتجفًا، فكأنه بين العناصر المتحاربة كالأمل الضعيف بين اليأس الشديد والحزن العميق، أو كعصفور مكسور الجناحين سقط في النهر فحمله التيار الغضوب إلى الأعماق.

وظل الشاب سائرًا والموت يتبعه حتى خارت قواه وانحطت عزيمته وتجمدت الدماء في عروقه، فارتمى على الثلوج وصرخ صوتًا هائلًا هو بقية الحياة في جسده، صوت خائف قد رأى خيال الموت وجهًا لوجه، صوت منازع قانط أتلفته الظلمة وقبضت عليه العاصفة لترمي به إلى الهاوية، صوت محبة الكيان في فضاء العدم.
القسم 3
في الجهة الشمالية من تلك القرية كوخ صغير منفرد بين الحقول تسكنه امرأة تدعى راحيل مع ابنتها مريم غير المتجاوزة الثامنة عشرة من سنيها. هذه المرأة هي أرملة سمعان الرامي الذي وجد قتيلًا في البرية منذ خمسة أعوام ولم يعرف قاتله بعد.
كانت راحيل مثل جميع الأرامل الفقيرات تعيش بالاجتهاد والعمل مخافة الموت والفناء، فكانت تخرج أيام الحصاد وتلتقط السنابل المتروكة في الحقل، وفي أيام الخريف كانت تجمع فضلات الأثمار المنسية في البساتين، وفي الشتاء كانت تغزل الصوف وتخيط الأثواب لقاء دريهمات قليلة أو مكيال من الذرة، وكانت جميع أعمالها مقرونة بالثبات والصبر والاعتناء. أما ابنتها مريم فكانت صبية جميلة هادئة تشاطر والدتها الأتعاب وتساهمها أعمال البيت.
ففي تلك الليلة المخيفة التي وصفناها كانت راحيل وابنتها جالستين بقرب موقد قد تغلب البرد على حرارته واكتنف الرماد جمره، وفوق رأسيهما سراج ضعيف يبعث أشعته الصفراء الضئيلة إلى قلب الظلمة مثلما تبعث الصلاة أشباح التعزية إلى كبد الفقير الحزين.
انتصف الليل والمرأتان جالستان تسمعان ولولة الأرياح خارجًا، ومن وقت إلى آخر كانت الصبية تقف وتفتح الكوة الصغيرة وتنظر نحو الفضاء المظلم ثم تعود إلى مكانها مضطربة مرتعبة من غضب العناصر.
في تلك الدقيقة تحركت الصبية فجأة كأنها استيقظت من سبات نوم عميق، والتفتت بوجل نحو أمها وقالت بسرعة: هل سمعت يا أماه؟ هل سمعت صوت صارخ مستغيث؟ فرفعت الوالدة رأسها وأصغت هنيهة ثم أجابت: لا، لم أسمع سوى عويل الأرياح يا ابنتي. فقالت الصبية: أنا قد سمعت صوتًا أعمق من هزيم الريح وأمر من عويل العاصفة.
قالت هذه الكلمات وانتصبت واقفة وفتحت الكوة وأصغت دقيقة ثم قالت: قد سمعت الصراخ ثانية يا أماه. فأجابت الأم وقد أسرعت مرتاعة نحو النافذة: وأنا قد سمعت أيضًا. تعالي نفتح الباب وننظر. أوصدي النافذة كي لا تطفئ الريح السراج.
قالت هذا والتفت برداء طويل وفتحت الباب وخرجت بقدم ثابتة، وبقيت مريم واقفة في الباب والهواء يتلاعب بجدائل شعرها.
مشت راحيل بضع خطوات فالحة الثلج بقدميها ثم وقفت ونادت: من الصارخ؟ أين المستغيث؟ فلم يجبها أحد، ثم رددت كلماتها هذه ثانية وثالثة، وإذ لم تسمع غير صراخ الزوبعة تقدمت إلى الأمام بشجاعة ملتفتة إلى كل ناحية، حاجبة وجهها من تموجات الريح العنيفة. ولم تسر رمية سهم حتى رأت أثر أقدام غارقة في الثلج قد أوشكت الأرياح أن تمحوها، فاتبعتها بسرعة جازعة مترقبة، وبعد هنيهة نظرت فرأت أمامها جسدًا مطروحًا على الثلج كرقعة سوداء على ثوب ناصع البياض. فتقدمت وذرت الثلج عنه وأسندت رأسه على ركبتيها ووضعت يدها على صدره، وإذ شعرت بنبضات قلبه المتهاونة التفتت نحو الكوخ وصرخت قائلة: هلمي يا مريم، هلمي إلى معونتي فقد وجدته.

فخرجت مريم من البيت متبعة أثر أقدام والدتها، مرتعشة من البرد والخوف، حتى إذا ما بلغت المكان ورأت الشاب الملقى بلا حراك على الثلج تأوهت وصرخت بلهفة وتوجع. فقالت الأم وقد وضعت يديها تحت إبطيه: هو حي فلا تخافي، بل أمسكي بأطراف أثوابه وتعالي نحمله إلى البيت.
حملت المرأتان الفتى والأرياح الشديدة تصدهما والثلوج تتمسك بأقدامهما، حتى إذا ما بلغتا به الكوخ ألقتاه بجانب الموقد، وأخذت الأم تفرك أعضاءه المتجلدة والابنة تجفف بأطراف ثوبها شعره البليل وأصابعه الباردة. فلم تمر بضع دقائق حتى عادت إليه الحياة، فتحرك قليلًا وارتعشت أجفانه وتنهد تنهيدة عميقة بثت الأمل بنجاته في قلبي المرأتين الشفوقتين.
فقالت مريم بعد أن حلت سيور حذائه المهشم وخلعت عباءته البليلة: انظري يا أماه، انظري ملابسه فهي شبيهة بأثواب الرهبان. فالتفتت راحيل وقد وضعت في الموقد غمرًا من القضبان اليابسة وقالت مستغربة: إن الرهبان لا يخرجون من الدير في مثل هذه الليلة المخيفة، فأي شيء يا ترى جعل هذا المسكين يخاطر بحياته؟
فقالت الصبية مستدركة: ولكن هو أمرد يا أماه وللرهبان لحى كثيفة. فنظرت إليه الوالدة وقد انسكبت الرأفة الوالدية من عينيها وقالت متنهدة: جففي قدميه جيدًا يا ابنتي، راهبًا كان أم مجرمًا.
وفتحت راحيل الخزانة الخشبية وأخرجت منها جرة صغيرة مملوءة خمرًا وسكبت منها في إناء من الفخار، ثم قالت لابنتها: أسندي رأسه يا مريم لنجرعه قليلًا من الخمر فينتعش وتعود الحرارة إلى جسده.
قربت راحيل حافة الطاس إلى شفتي الشاب وجرعته قليلًا، ففتح عينيه الكبيرتين ونظر إلى منقذيه لأول مرة نظرة لطيفة محزنة قد انبعثت مع دموع الشكر ومعرفة الجميل، نظرة من شعر بملامس الحياة بعد أن كان بين مخالب الموت، نظرة الأمل بعد اليأس. ثم ألوى عنقه وخرجت هذه الكلمات من بين شفتيه المرتعشتين: ليبارككما الله.