
روميو
وريث مونتاغيو وعاشق شاب

مأساة
بقلم ويليام شكسبير
فيرونا تحت ضوء القمر، عداوة عائلية مريرة، وحب وُلد محكومًا بالنجوم.
الشخصيات

وريث مونتاغيو وعاشق شاب

ابنة كابوليت، شجاعة القلب

صديق لامع اللسان ومشاكس

مبارز من آل كابوليت

كاتمة سر جولييت

حليف العاشقين سرًا

قريب روميو وصانع سلام
فصول عربية مصورة
[تدخل الجوقة.]
الجوقة: أسرتان متساويتان في المكانة، في فيرونا الجميلة حيث تدور أحداثنا. من ضغينة قديمة يندلع شقاق جديد، فتلوّث دماء المواطنين أيدي المواطنين. ومن صلب هذين العدوين المشؤومين يولد حبيبان تعاكسهما النجوم؛ وبمصرعهما البائس المثير للشفقة يدفنان مع موتهما خصومة والديهما. إن المسار المفزع لحبهما الموسوم بالموت، واستمرار غضب والديهما الذي لم ينهه إلا رحيل ولديهما، هو ما يشغل مسرحنا ساعتين. فإن أصغيتم إلينا في صبر، اجتهدنا أن نستكمل بأدائنا ما يقصر عنه القول.
[تخرج الجوقة.]
تابع القراءة، القسم 2
[يدخل سامبسون وغريغوري مسلحين بسيفين وترسين.]
سامبسون: يا غريغوري، والله لا نحتمل الإهانة.

غريغوري: لا، وإلا لكنّا من حمّالِي الفحم.
سامبسون: أعني، إذا استعرنا غضبًا، سنجرّ سيوفنا.
غريغوري: أجل، ما دمت حيًّا، فاسحب عنقك من الطوق.
سامبسون: أضرب سريعًا إذا أثرتني.
غريغوري: ولكنك لا تَثور سريعًا لتضرب.
سامبسون: كلبٌ من آل مونتاغيو يهيّجني.
غريغوري: التحريك هو الإغراء؛ والشجاعة أن تثبت مكانك؛ فإذا هاجك الأمر، فمعناه أنك تولّي هاربًا.
سامبسون: كلبٌ من ذلك البيت سيجعلني أثبت. سأستأثر بالجدار أمام أي رجل أو فتاة من آل مونتاغيو.
غريغوري: ذلك يدلّ على أنك عبدٌ ضعيف، لأن الأضعف هو الذي يُلقى إلى الجدار.
سامبسون: صدقت، ولذلك فالنساء، وهنّ الأضعف، يُدفعن دائمًا إلى الجدار؛ لذلك سأدفع رجال مونتاغيو عن الجدار، وأزجّ بنسائهم إلى الجدار.
غريغوري: الخصومة بين سادتنا وبيننا نحن رجالهم.
سامبسون: سواءٌ كان هذا أو ذاك، فسأُظهر نفسي طاغية؛ فإذا قاتلت الرجال كنتُ مهذبًا مع الفتيات، سأقطع رؤوسهن.
غريغوري: رؤوس الفتيات؟
سامبسون: أجل، رؤوس الفتيات، أو عذريتهن؛ خذه على أي معنى شئت.
غريغوري: ينبغي أن يأخذوه على المعنى الذين يَمسّهم.
سامبسون: سيشعرون بي ما دمت قادرًا على الوقوف؛ ومعلومٌ أني قطعةٌ حسنة من لحم.
غريغوري: حسنًا أنك لست سمكة؛ فلو كنتها لكنت فقير جون. اسلُ سلاحك؛ فهذا أحد رجال آل مونتاغيو.
[يدخل أبرام وبالتازار.]
سامبسون: سلاحي العاري خارجٌ؛ الخصامُ معك، وأنا سأدعمك.
غريغوري: كيف؟ أتدير ظهرك وتهرب؟
سامبسون: لا تخفني.
غريغوري: لا، بل أنا أخافك!
سامبسون: لنتّبع القانون من جانبنا؛ وليبدأوا هم.
غريغوري: سأقطّب وجهي وأنا أمرّ، وليأخذوه على هواهم.
سامبسون: بل على قدر ما يجرؤون. سأعضّ إبهامي لهم، وفي ذلك إهانةٌ لهم إذا احتملوها.
أبرام: أتعَضّ إبهامك لنا، يا سيدي؟
سامبسون: نعم، أعضّ إبهامي، يا سيدي.
أبرام: أتعَضّ إبهامك لنا، يا سيدي؟
سامبسون: أفي جانبنا القانون إذا قلت نعم؟
غريغوري: لا.
سامبسون: كلا يا سيدي، لا أعضّ إبهامي لك، يا سيدي؛ بل أعضّ إبهامي، يا سيدي.
غريغوري: أتعرض للخصام، يا سيدي؟
أبرام: للخصام، يا سيدي؟ لا، يا سيدي.
سامبسون: ولكن إن فعلتَ، يا سيدي، فأنا لك. أنا أخدم رجلًا مثلك خيرًا.
أبرام: لا خيرًا منه.
سامبسون: حسنًا، يا سيدي.
[يدخل بنفوليو.]
غريغوري: قل: خيرًا؛ فهذا أحد أقرباء سيدي.
سامبسون: نعم، خيرًا، يا سيدي.
أبرام: أنت كاذب.
سامبسون: استل سيفك إن كنت من الرجال. يا غريغوري، تذكّر ضربة الغسل.
[يتقاتلون.]
بنفوليو: تفرّقوا أيها الحمقى! أغمِدوا سيوفكم؛ أنتم لا تدرون ما تفعلون.
[يضرب سيوفهم عن أيديهم.]
[يدخل تيبالت.]
تيبالت: ما هذا، أتستلّ سلاحك بين هؤلاء الرعاع الجبناء؟ استدر يا بنفوليو، وانظر إلى موتك.
بنفوليو: إنما أحفظ السلام؛ فأغمِد سيفك، أو استعمله لتفرّق هؤلاء الرجال معي.
تيبالت: ماذا، استللتَ السيف وتتكلم عن السلام؟ إنني أكره هذه الكلمة كما أكره جهنم، وأكره آل مونتاغيو، وأكرهك: إليك عني، أيها الجبان.
[يتقاتلون.]
[يدخل ثلاثة أو أربعة من أهل المدينة بالعصي.]
أول مواطن: العصيّ، والرماح، والحراب! اضربوا! اطرحوهم أرضًا! إلى أسفل مع آل كابوليت! إلى أسفل مع آل مونتاغيو!
[يدخل كابوليت بملابسه المنزلية، والسيدة كابوليت.]
كابوليت: ما هذا الضجيج؟ ناولوني سيفي الطويل، هه!
السيدة كابوليت: عكازًا، عكازًا! لِمَ تطلب سيفًا؟
كابوليت: سيفي، قلتُ! لقد أقبل العجوز مونتاغيو، ويُشهر نصلَه تحديًا لي.
[يدخل مونتاغيو والسيدة مونتاغيو.]
مونتاغيو: أيها الوغد كابوليت! لا تمسك بي، دعني أذهب.
السيدة مونتاغيو: لن تخطو خطوةً واحدة لتطلب عدوًا.
[يدخل الأمير إسكالوس مع الحاشية.]
الأمير إسكالوس: أيها الرعايا المتمردون، أعداء السلام، دنّسو سلاح الجوار هذا بالدماء، ألن تسمعوا؟ هه! أيها الرجال، أيها الوحوش، يا من تطفئون نار حنقكم الهدّام بعيونٍ أرجوانية تنفجر من عروقكم، على جزاء التعذيب، اطرحوا من تلك الأيدي المضرجة سلاحكم المختلَّ المزاج على الأرض، واسمعوا حكم أميركم الغاضب. ثلاثُ شجاراتٍ مدنية، أُضرمت بكلمةٍ هوائية، على يديك أنت، يا كابوليت العجوز، وعلى يدي مونتاغيو، قد شوّشت ثلاث مراتٍ سكينة شوارعنا، وجعلت مواطني فيرونا العتاق يخلعون حللهم الوقورة اللائقة، ليقبضوا على حرابٍ عتيقة، بأيدٍ عتيقة مثلها، نخرها السلم، ليفرقوا بين كرهكم الآكل نفسه. إن عدتم إلى إزعاج شوارعنا مرة أخرى، فعليكم أن تدفعوا حياتكم ثمنًا للسلام. أما هذه المرة، فليتفرق سائر الجميع: وأنت يا كابوليت، ستذهب معي، وأنت يا مونتاغيو، تعال هذا المساء لتعلم مشيئتنا الأخرى في هذه القضية، إلى البلدة الحرة القديمة، ساحة قضائنا العامة. ومرة أخرى، على جزاء الموت، ليتفرق الناس جميعًا.
[يخرج الأمير والحاشية؛ وكابوليت، والسيدة كابوليت، وتيبالت، والمواطنون والخدم.]
مونتاغيو: من الذي أضرَم هذه الخصومة القديمة من جديد؟ تكلم يا ابن أخي، أكنت حاضرًا حين بدأت؟
بنفوليو: كان هنا خدم خصمك وخدمك، يتقاتلون بشدة قبل أن أقترب. استللتُ سيفي لأفرقهم، وفي تلك اللحظة أقبل تيبالت الناري، وقد أعدّ سيفه، ثم أخذ، وهو يطلق التحدي إلى أذنيّ، يلوّح بسيفه فوق رأسه ويشقّ الرياح، وهي لم تُصَب بسوء، فأطلقت صفير السخرية عليه. وبينما كنا نتبادل الطعنات والضربات، أقبل المزيد والمزيد، وقاتل هذا في جانب، وذاك في جانب، حتى جاء الأمير، ففرّق بين الجانبين.
السيدة مونتاغيو: آه، أين روميو؟ أَرأيتموه اليوم؟ إني لفي غاية السرور لأنه لم يكن في هذا الشجار.
بنفوليو: سيدتي، قبل ساعةٍ من أن يطلّ الشمس المعبود من النافذة الذهبية للشرق، دفعني خاطرٌ مضطرب إلى الخروج للمشي، وهناك، تحت بستان الشجر الدائم الخضرة، الذي يضرب بجذوره إلى الغرب من جانب المدينة هذا، رأيت ابنك في تلك الساعة المبكرة من السير. قصدتُه، لكنه لمحني، وانسلّ إلى مخبأ الشجر. وأنا، إذ قستُ عواطفه بعواطفي، وكانت نفسي آنذاك تطلب أكثر ما لا يُعثر عليه، وكنتُ وحدي عبئًا زائدًا على نفسي المتعبة، اتبعتُ نزعي أنا، لا نزعه هو، وسررتُ بالابتعاد عمّن سرّ له أن يهرب مني.
مونتاغيو: كثيرًا ما شوهد هناك في الصباح، ودموعه تزيد ندى الصباح الجديد، وأنفاسه العميقة تزيد السحب سحبًا؛ لكن ما إن يبدأ الشمس، المبتهجُ كله، من أقصى الشرق في إزاحة الستائر المظللة عن سرير أورورا، حتى ينسلّ ابني الثقيل إلى بيته بعيدًا عن الضوء، ويحبس نفسه في حجرته منفردًا، ويغلق نوافذه، ويقفل ضوء النهار الجميل في الخارج، ويصنع لنفسه ليلًا مصطنعًا. لا بد أن تكون هذه الحال سوداء مشؤومة، ما لم ترفع النصيحة الصالحة سببها.
بنفوليو: عمي الجليل، أتعرف سببها؟
مونتاغيو: لا أعرفه، ولا أستطيع أن أعلمه منه.
بنفوليو: ألححتُم عليه بشتى الوسائل؟
مونتاغيو: أنا، ومعي كثير من الأصدقاء؛ لكنه، وهو مستشار عواطفه الخاصة، شديد الأسرار على نفسه…ولا أقول مدى صدقه…لكنه شديد الكتمان والإخفاء حتى عن نفسه، بعيدٌ كل البعد عن الإفصاح والكشف، كبرعمٍ عضّه دودة حسودة قبل أن يقدر على بسط أوراقه العطرة للهواء أو أن يهب جماله للشمس. لو استطعنا أن نعرف فقط من أين تنبت أحزانه، لأحببنا أن نعالجها بقدر ما نحب أن نعرفها.
[يدخل روميو.]
بنفوليو: ها هو ذا مقبل. إن أذنتما، فتنحّيا قليلًا؛ سأعرف ما به، أو أُردّ ردًّا شديدًا.
مونتاغيو: ليتك كنت سعيدًا بإقامتك هنا حتى تسمع اعترافه الصادق. هيا، يا سيدتي، فلنذهب.
[يخرج مونتاغيو والسيدة مونتاغيو.]
بنفوليو: صباح الخير يا ابن العم.
روميو: أبهذا القدر أصبح النهار فتياً؟
بنفوليو: لم تدقّ الساعة إلا التاسعة.
روميو: آه، يا لثقل الساعات الحزينة! أكان أبي الذي مضى مسرعًا هكذا؟
بنفوليو: نعم، كان هو. أي حزنٍ يطيل ساعات روميو؟
روميو: ألا أملك ما إذا امتلكته قصرتْ.
بنفوليو: أفي الحب؟
روميو: خارجه.
بنفوليو: خارج حبّه؟
روميو: خارج رضاه حيث أنا واقع في الحب.
بنفوليو: يا للأسف، أن يكون الحب في منظره رقيقًا إلى هذا الحد، ثم يكون في التجربة طاغيًا خشنًا إلى هذا الحد.
روميو: يا للأسف، أن يكون الحب، الذي تُحجب رؤيته دائمًا، قادرًا، من غير عيون، على أن يهتدي إلى سبيل مشيئته! أين نتغدّى؟ آه مني! ما هذا الشجار الذي كان هنا؟ ولكن لا تخبرني، فقد سمعتُه كله. هنا عملٌ كثير للحقد، ولكن أكثر للحب: إذن، يا للحب المتخاصم! يا للكراهية المحبّة! يا لشيءٍ ما، خُلق أولًا من لا شيء! يا لخفةٍ ثقيلة! يا لعبثٍ جاد! يا لفوضى مشوّهة لأشكالٍ تبدو جميلة! يا لريشةٍ من رصاص، ويا لدخانٍ لامع، ويا لنارٍ باردة، ويا لصحةٍ سقيمة! يا لليقظة النائمة، التي ليست ما هي عليه! هذا هو الحب الذي أشعر به، ولا أشعر في هذا بأي حب. أأنت لا تضحك؟
بنفوليو: كلا يا ابن العم، بل أبكي.
روميو: أيها القلب الطيب، وعلى ماذا؟
بنفوليو: على قهر قلبك الطيب.
روميو: أجل، فذلك هو تعدّي الحب. همومي الخاصة مثقلةٌ في صدري، وأنت ستزيدها بإصرارك على أن تثقلها أكثر بهمومك. هذا الحب الذي أظهرته لي يضيف حزنًا آخر إلى حزني الكثير. الحب دخانٌ يصنعه بخار الآهات؛ فإذا نُقّي صار نارًا تتلألأ في عيون العشاق؛ وإذا أُزعج صار بحرًا تُغذيه دموع العشاق: فما هو، غير هذا؟ جنونٌ على غايةٍ من التعقل، ومرارةٌ خانقة، وحلاوةٌ تحفظ. وداعًا يا ابن العم.
[ينصرف.]
بنفوليو: تمهّل! سأمضي معك؛ وإن تركتني هكذا فقد أسأت إليّ.
روميو: تافه! لقد ضيّعتُ نفسي؛ أنا لست هنا. هذا ليس روميو، إنه في مكان آخر.
بنفوليو: أخبرني بصدق، من هي التي تحب؟
روميو: ماذا، أئنّ وأخبرك؟
بنفوليو: أئنّ! لا، ولكن أخبرني بحزنٍ من هي.
روميو: قل لمريضٍ بحزنٍ أن يكتب وصيته، فهذه كلمةٌ سيئة الدلالة على من به من السوء ما به. بصدق، يا ابن العم، أنا أحب امرأة.
بنفوليو: لقد أصبتُ قريبًا حين ظننتُ أنك تحب.
روميو: نعم، وما أحسن أن تكون راميًا. وهي جميلة التي أحب.
بنفوليو: يا ابن العم الجميل، الهدف الجميل يُصاب أسرع.
روميو: حسنًا، في هذه الإصابة أنت مخطئ؛ فلن تُصَب بسهم كيوبيد، ففيها عقل ديانا؛ وهي، وقد تسلحتْ جيدًا بحجة العفة، تبقى بمنجاةٍ من القوس الضعيف الطفولي للحب. لن تقف حصارَ عبارات المحبة، ولا تُطِقُ مواجهةَ الأعين المهاجمة، ولا تفتح حضنها للذهب المزيّن للقدّيسين: آه، إنها غنيةٌ بالجمال، لكنها فقيرةٌ فقط في أن جمالها، إذا ماتت، يموت معه رصيدها.
بنفوليو: إذن فقد أقسمت أنها ستعيش عفيفة دائمًا؟
روميو: أجل، وفي هذا الاقتصادُ إتلافٌ كبير؛ فالجمال إذا جاع بسبب صرامتها، قطع الجمال عن كل نسلٍ بعده. إنها شديدة الحسن، شديدة الحكمة؛ بل حكيمةٌ لأنها شديدة الحسن، حتى تستحقّ السعادة بأن تجعلني في اليأس. لقد حلفت ألا تحب، وفي هذا الحلف أعيش ميتًا، إذ أعيش لأقول الآن ذلك.
بنفوليو: خذ برأيي، وانسَ أن تفكر فيها.
روميو: آه، علّمني كيف أنسى أن أفكر.
بنفوليو: بأن تمنح عينيك الحرية؛ تأمّل سواها من الجميلات.
روميو: هذا السبيل إلى أن أجعل جمالها، الذي لا نظير له، موضعَ نظرٍ أكبر. تلك الأقنعة السعيدة التي تقبّل جباه السيدات الجميلات، إذ هي سوداء، تذكّرنا بأن الجميل مستور فيها؛ ومن أُصيب بالعمى لا يستطيع أن ينسى الكنـز الثمين الذي فقده من بصره. أرني عشيقةً فائقة الجمال، فما نفع جمالها إلا كإشارةٍ أقرأ بها من مرّ من هنا وكان أجمل ما يكون. وداعًا؛ لن تقدر على أن تعلّمني النسيان.
بنفوليو: سأدفع ثمن هذه الموعظة، أو أموت مديونًا.
[يخرجان.]
تابع القراءة، القسم 3
[يدخل كابوليت وباريس وخادم.]
كابوليت: لكن مونتاغيو ملزَم كما أنا، والعقوبة على كلينا سواء؛ وليس بالأمر العسير، في رأيي، على رجال في سنّنا أن يحفظوا السلم.

باريس: أنتما جديران بالتقدير كلاكما، ومن المؤسف أنكما عشتما على هذا الشقاق كل هذه المدة. ولكن الآن يا سيدي، ما قولك في طلبي؟
كابوليت: أكرر ما قلته من قبل. ابنتي ما تزال غريبةً عن الدنيا، لم ترَ بعد تبدّل أربعة عشر عامًا؛ فلتذبُل صيفان آخران في فَتْوَتهما قبل أن نفكر في أنها صارت أهلاً لأن تكون عروسًا.
باريس: تُرزق الأمهات السعيدات ببنات أصغر منها سنًّا.
كابوليت: وكثيرًا ما يُفسَد مبكرًا ما صُنع مبكرًا. لقد ابتلعت الأرض كل آمالي إلا هي، فهي سيدة أرضي المملوءة رجاءً. لكن خاطِبها برفق يا باريس، واكسب قلبها؛ فما أريده لها ليس إلا جزءًا من موافقتها. فإذا رضيت، ففي دائرة اختيارها يقوم رضاي وصوتي الموافق الجميل. هذه الليلة أقيم مأدبةً قديمة معتادة، دعوت إليها كثيرًا من الضيوف ممن أحب، وأنت في عدادهم؛ ومن جاء أكثر فأكثر كان أحبّ ترحيبًا وزاد عددي. في بيتي المتواضع سترى الليلة نجومًا تطأ الأرض فتضيء السماء المعتمة؛ وستنال في بيتي الليلة من السرور ما يناله الفتيان الأقوياء حين يطأ أبريل المزيّن بالأثواب، في أثر الشتاء الأعرج، فتزدهر براعم النساء الفتيّات. اسمع الكل، وانظر الكل، واختر أطيبهنّ فضلًا، فهو الأجدر بالمحبة. فإذا نظرتَ إلى كثيرات، فقد لا تقوم لي، أنا واحدة منهن، في العدد، وإن لم أقم في التقدير. تعال، هلمّ معي. اذهب يا هذا، وامضِ في طرقات فيرونا الجميلة؛ وابحث عن أولئك الأشخاص الذين أسماؤهم مكتوبة هناك، [يناوله ورقة] وقل لهم: بيتي وترحيبي ينتظران على هواهم.
[يخرج كابوليت وباريس.]
الخادم: أبحث عن الذين أسماؤهم مكتوبة هنا! مكتوب أن يحشر النجار نفسه في ذراع خشبه، والخياط في قالب حذائه، والصياد في سنارته، والرسام في شِباكه؛ أما أنا فمبعوث لأبحث عن أولئك الأشخاص الذين كُتبت أسماؤهم هنا، وأنا لا أستطيع قط أن أجد ما هي الأسماء التي كتبها هذا الكاتب هنا. لا بد لي من اللجوء إلى المتعلمين. وفي الوقت المناسب!
[يدخل بنفوليو وروميو.]
بنفوليو: لا، يا رجل، فلهيبٌ يطفئ لهيبًا آخر، ووجعٌ يخفّف من أختِه الأشد؛ فاستدرْ حتى يدور رأسك، وتُعان بمزيد من الدوران إلى الخلف؛ والغمّ المستعصي يُداوى بغَمٍّ آخر يذبل معه. ضع في عينك عدوى جديدة، فيموت السمّ العفن القديم.
روميو: ورق لسان الحمل نافع جدًا لذلك.
بنفوليو: لذلك ماذا، أرجوك؟
روميو: لكسر ساقك.
بنفوليو: ما بك يا روميو، أأنت مجنون؟
روميو: لستُ مجنونًا، لكني مقيّد بما يفوق حال المجنون: محبوس في سجن، محجوب عن طعامي، ومجلود ومعذَّب، و…صباح الخير يا صاح.
الخادم: صبحك الله بالخير. أستحلفك، سيدي، أتحسن القراءة؟
روميو: أجل، أقرأ حظي أنا في شقائي.
الخادم: لعلّك تعلمته عن ظهر قلب. لكن أستحلفك، أتعرف أن تقرأ أي شيء تراه؟
روميو: أجل، إن عرفتُ الحروف واللسان.
الخادم: تقول بصدق، فابقَ مسرورًا!
روميو: قف يا هذا؛ أستطيع أن أقرأ.
[يقرأ الرسالة.]
السيد مارتينو وزوجته وبناته؛ والكونت أنسيلمو وأخواته الجميلات؛ والأرملة السيدة أُترُفيو؛ والسيد بلاسينتيو وبنات أخيه الرائعات؛ ومركوشيو وأخوه فالنتاين؛ وعمي كابوليت وزوجته وبناته؛ وابنة عمي الحسناء روزالين وليفيا؛ والسيد فالنتيو وابن عمه تيبالت؛ ولوتشيو وهادِلينا المرحة.
مجمع جميل. [يعيد الورقة] إلى أين ينبغي أن يأتوا؟
الخادم: إلى فوق.
روميو: إلى أين على العشاء؟
الخادم: إلى بيتنا.
روميو: بيت مَن؟
الخادم: بيت سيدي.
روميو: حقًّا كان ينبغي أن أسألك ذلك من قبل.
الخادم: والآن أخبرك بلا سؤال. سيدي هو كبير كابوليت الغنيّ، فإن لم تكونوا من آل مونتاغيو، فأرجو أن تجيئوا وتتناولوا كأسًا من الخمر. ابقَ مسرورًا.
[يخرج.]
بنفوليو: في هذه المأدبة القديمة نفسها لعائلة كابوليت تعيش الحسناء روزالين التي تهواها؛ ومعها كل جميلات فيرونا المشهورات. اذهب إلى هناك، وبعين لم تمسّها شائبة، قارن وجهها بوجه بعض من سأريك، وأنا سأجعلك تظنّ البجعة غرابًا.
روميو: إذا كان دين بصري المتعبد على هذه الدرجة من الكذب، فلتتحول الدموع إلى نار؛ وهؤلاء الذين ما زالوا يغرقون، ولم يستطيعوا قط أن يموتوا، يا زنادقةً شفّافين، ليُحرقوا بوصفهم كذّابين. أيوجد من هي أجمل من حبيبتي؟ إن الشمس التي تبصر كل شيء لم ترَ لها نظيرًا منذ بدأ العالم.
بنفوليو: لا، لقد رأيتها جميلةً حين لم يكن أحد غيرها حاضرًا، وكانت هي نفسها موزونةً بنفسها في كلتا العينين؛ لكن في ذلك الميزان البلوري لْيُوزَن حبّ سيدتك في مقابل أيّة فتاة أخرى سأريك إياها متلألئة في هذه المأدبة، وستظهر هي نفسها على قلّة من الحسن إلى جانب من تظهر الآن في أكمل صورة.
روميو: سأذهب معك، لا ليريني أحدُهم مثل ذلك، بل لأبتهج ببِهاء ما لي أنا من جمال.
[يخرجان.]
تجمع الشخصيات المحورية، وتوضح الصلات التي تحرك الحكاية ومشاهدها.