
روميو وجولييت
بقلم ويليام شكسبير1597
فيرونا تحت ضوء القمر، عداوة عائلية مريرة، وحب وُلد محكومًا بالنجوم.
فصول عربية مصورة
التمهيد
[تدخل الجوقة.]

الجوقة: أسرتان متساويتان في المكانة، في فيرونا الجميلة حيث تدور أحداثنا. من ضغينة قديمة يندلع شقاق جديد، فتلوّث دماء المواطنين أيدي المواطنين. ومن صلب هذين العدوين المشؤومين يولد حبيبان تعاكسهما النجوم؛ وبمصرعهما البائس المثير للشفقة يدفنان مع موتهما خصومة والديهما. إن المسار المفزع لحبهما الموسوم بالموت، واستمرار غضب والديهما الذي لم ينهه إلا رحيل ولديهما، هو ما يشغل مسرحنا ساعتين. فإن أصغيتم إلينا في صبر، اجتهدنا أن نستكمل بأدائنا ما يقصر عنه القول.
[تخرج الجوقة.]
تابع القراءة، القسم 2
الفصل الأول، المشهد الأول: ساحة عامة
[يدخل سامبسون وغريغوري مسلحين بسيفين وترسين.]
سامبسون: يا غريغوري، والله لا نحتمل الإهانة.
غريغوري: لا، وإلا لكنّا من حمّالِي الفحم.
سامبسون: أعني أننا إذا ثار غضبنا استللنا سيوفنا.
غريغوري: أجل، ما دمت حيًّا، فاسحب عنقك من الطوق.
سامبسون: أضرب سريعًا متى استُثِرت.
غريغوري: ولكنك لا تَثور سريعًا لتضرب.
سامبسون: كلبٌ من آل مونتاغيو يهيّجني.
غريغوري: أن تُستثار يعني أن تتحرك، والشجاعة أن تثبت في مكانك؛ فإذا استُثِرت فأنت تولّي هاربًا.
سامبسون: كلبٌ من ذلك البيت سيجعلني أثبت. سأنتزع جانب الجدار من أي رجل أو فتاة من آل مونتاغيو.
غريغوري: ذلك يدلّ على أنك عبدٌ ضعيف، لأن الأضعف هو الذي يُلقى إلى الجدار.
سامبسون: صدقت، ولذلك فالنساء، وهنّ الأضعف، يُدفعن دائمًا إلى الجدار؛ لذلك سأدفع رجال مونتاغيو عن الجدار، وأزجّ بنسائهم إلى الجدار.
غريغوري: الخصومة بين سادتنا وبيننا نحن رجالهم.
سامبسون: سواءٌ كان هذا أو ذاك، فسأُظهر نفسي طاغية؛ فإذا فرغت من قتال الرجال تلطّفت بالفتيات: سأقطع رؤوسهن.
غريغوري: رؤوس الفتيات؟
سامبسون: أجل، رؤوس الفتيات، أو عذريتهن؛ خذه على أي معنى شئت.
غريغوري: ينبغي أن يأخذوه بالمعنى الذي يحسّونه.
سامبسون: سيشعرون بي ما دمت قادرًا على الوقوف؛ ومعلومٌ أني قطعةٌ حسنة من لحم.

غريغوري: حسنٌ أنك لست سمكًا؛ فلو كنته لكنت سمكًا مجففًا رخيصًا. استلّ سلاحك؛ فها هم رجال من آل مونتاغيو قادمون.
[يدخل أبرام وبالتازار.]
سامبسون: سلاحي مسلول؛ افتعل الخصام وأنا من ورائك.
غريغوري: كيف؟ أتدير ظهرك وتهرب؟
سامبسون: لا تخف عليّ.
غريغوري: كلا والله، بل أخاف منك!
سامبسون: لنجعل القانون في صفّنا؛ فليبدأوا هم.
غريغوري: سأقطّب وجهي وأنا أمرّ، وليأخذوه على هواهم.
سامبسون: بل على قدر ما يجرؤون. سأعضّ إبهامي لهم، وفي ذلك إهانةٌ لهم إذا احتملوها.
أبرام: أتعَضّ إبهامك لنا، يا سيدي؟
سامبسون: نعم، أعضّ إبهامي، يا سيدي.
أبرام: أتعَضّ إبهامك لنا، يا سيدي؟
سامبسون: أيكون القانون في صفّنا إذا قلت نعم؟
غريغوري: لا.
سامبسون: كلا يا سيدي، لا أعضّ إبهامي لك، يا سيدي؛ بل أعضّ إبهامي، يا سيدي.
غريغوري: أتبحث عن خصام، يا سيدي؟
أبرام: خصام، يا سيدي؟ لا، يا سيدي.
سامبسون: ولكن إن فعلتَ، يا سيدي، فأنا لك. فسيدي لا يقلّ عن سيدك.
أبرام: ولا يفوقه.
سامبسون: حسنًا، يا سيدي.
[يدخل بنفوليو.]
غريغوري: قل: يفوقه؛ فها هو أحد أقرباء سيدي قادم.
سامبسون: بل يفوقه، يا سيدي.
أبرام: أنت كاذب.
سامبسون: استلّوا سيوفكم إن كنتم رجالًا. يا غريغوري، تذكّر ضربتك الساحقة.
[يتقاتلون.]
بنفوليو: تفرّقوا أيها الحمقى! أغمِدوا سيوفكم؛ أنتم لا تدرون ما تفعلون.
[يضرب سيوفهم عن أيديهم.]
[يدخل تيبالت.]
تيبالت: ما هذا، أتستلّ سلاحك بين هؤلاء الرعاع الجبناء؟ استدر يا بنفوليو، وانظر إلى موتك.
بنفوليو: إنما أحفظ السلام؛ فأغمِد سيفك، أو استعمله لتفرّق هؤلاء الرجال معي.
تيبالت: ماذا، استللتَ السيف وتتكلم عن السلام؟ إنني أكره هذه الكلمة كما أكره جهنم، وأكره آل مونتاغيو، وأكرهك: إليك عني، أيها الجبان.
[يتقاتلون.]
[يدخل ثلاثة أو أربعة من أهل المدينة بالعصي.]

المواطن الأول: العصيّ، والرماح، والحراب! اضربوا! اطرحوهم أرضًا! فليسقط آل كابوليت! فليسقط آل مونتاغيو!
[يدخل كابوليت بملابسه المنزلية، والسيدة كابوليت.]
كابوليت: ما هذا الضجيج؟ ناولوني سيفي الطويل، هيا!
السيدة كابوليت: عكازًا، عكازًا! لِمَ تطلب سيفًا؟
كابوليت: سيفي، قلتُ! لقد أقبل العجوز مونتاغيو، ويُشهر نصلَه تحديًا لي.
[يدخل مونتاغيو والسيدة مونتاغيو.]
مونتاغيو: أيها الوغد كابوليت! لا تمسك بي، دعني أذهب.
السيدة مونتاغيو: لن تخطو خطوةً واحدة لتطلب عدوًا.
[يدخل الأمير إسكالوس مع الحاشية.]
الأمير إسكالوس: أيها الرعايا المتمردون، يا أعداء السلام، يا من تدنّسون هذا الفولاذ بدماء جيرانكم... ألا يسمعون؟ ويحكم! أيها الرجال، بل أيها الوحوش، يا من تطفئون نار حقدكم المهلك بينابيع قانية تتفجر من عروقكم، ألقوا من أيديكم الملطخة أسلحتكم التي أسأتم استعمالها، وإلا نالكم العذاب، واسمعوا حكم أميركم الغاضب. ثلاث معارك أهلية أشعلتها كلمة عابرة، منك أنت يا كابوليت العجوز، ومن مونتاغيو، أقلقت سكينة شوارعنا ثلاث مرات، وجعلت شيوخ فيرونا يطرحون عنهم حللهم الوقورة، ليقبضوا بأيدٍ هرمة على حراب قديمة علاها الصدأ في زمن السلم، كي يفضّوا ضغينتكم التي أكلها الحقد. فإن عدتم إلى إقلاق شوارعنا مرة أخرى، دفعتم حياتكم ثمنًا لخرق السلام. أما هذه المرة فلينصرف الباقون جميعًا: أنت يا كابوليت ستمضي معي، وأنت يا مونتاغيو تعال بعد الظهر إلى «فري تاون» القديمة، ساحة قضائنا العام، لتعرف ما نقضي به في هذه القضية. ومرة أخرى أقول: لينصرف الجميع، ومن تخلّف فجزاؤه الموت.
[يخرج الأمير والحاشية؛ وكابوليت، والسيدة كابوليت، وتيبالت، والمواطنون والخدم.]
مونتاغيو: من الذي أضرَم هذه الخصومة القديمة من جديد؟ تكلم يا ابن أخي، أكنت حاضرًا حين بدأت؟
بنفوليو: كان هنا خدم خصمك وخدمك، يتقاتلون بشدة قبل أن أقترب. استللتُ سيفي لأفرقهم، وفي تلك اللحظة أقبل تيبالت الناري، وقد أعدّ سيفه، ثم أخذ، وهو يصبّ التحدي في أذنيّ، يلوّح بسيفه فوق رأسه ويشقّ الريح، والريح لا يمسّها أذى، تصفر ساخرة منه. وبينما كنا نتبادل الطعنات والضربات، أقبل المزيد والمزيد، وقاتل هذا في جانب، وذاك في جانب، حتى جاء الأمير، ففرّق بين الجانبين.

السيدة مونتاغيو: آه، أين روميو؟ أَرأيتموه اليوم؟ إني لفي غاية السرور لأنه لم يكن في هذا الشجار.
بنفوليو: سيدتي، قبل ساعةٍ من أن تطلّ الشمس المعبودة من نافذة الشرق الذهبية، دفعني خاطرٌ مضطرب إلى الخروج للمشي، وهناك، تحت أيكة الجمّيز التي تضرب بجذورها غربيّ المدينة، رأيت ابنك يسير في تلك الساعة المبكرة. قصدتُه، لكنه لمحني، وانسلّ إلى مخبأ الشجر. وأنا، إذ قستُ عواطفه بعواطفي، وكانت نفسي آنذاك تطلب أكثر ما لا يُعثر عليه، وكنتُ وحدي عبئًا زائدًا على نفسي المتعبة، اتبعتُ هواي أنا، لا هواه هو، وسررتُ بالابتعاد عمّن سرّ له أن يهرب مني.
مونتاغيو: كثيرًا ما شوهد هناك في الصباح، ودموعه تزيد ندى الصباح الجديد، وأنفاسه العميقة تزيد السحب سحبًا؛ لكن ما إن تبدأ الشمس، باعثة البهجة في كل شيء، من أقصى الشرق في إزاحة الستائر المظللة عن سرير أورورا، حتى ينسلّ ابني المثقل بالهم إلى بيته بعيدًا عن الضوء، ويحبس نفسه في حجرته منفردًا، ويغلق نوافذه، ويقفل ضوء النهار الجميل في الخارج، ويصنع لنفسه ليلًا مصطنعًا. لا بد أن تكون هذه الحال سوداء مشؤومة، ما لم ترفع النصيحة الصالحة سببها.
بنفوليو: عمي الجليل، أتعرف سببها؟
مونتاغيو: لا أعرفه، ولا أستطيع أن أعلمه منه.
بنفوليو: ألححتُم عليه بشتى الوسائل؟
مونتاغيو: أنا، ومعي كثير من الأصدقاء؛ لكنه، وهو وحده مستشار عواطفه، أمينٌ لنفسه (ولا أقول إلى أي حد)، شديد الكتمان والإخفاء، بعيدٌ كل البعد عن الإفصاح والكشف، كبرعمٍ عضّته دودة حسود قبل أن يقدر على بسط أوراقه العطرة للهواء أو أن يهب جماله للشمس. لو استطعنا أن نعرف فقط من أين تنبت أحزانه، لأحببنا أن نعالجها بقدر ما نحب أن نعرفها.

[يدخل روميو.]
بنفوليو: ها هو ذا مقبل. إن أذنتما، فتنحّيا قليلًا؛ سأعرف ما به، أو أُردّ ردًّا شديدًا.
مونتاغيو: أرجو أن يسعدك الحظ بالبقاء فتسمع منه اعترافًا صادقًا. هيا، يا سيدتي، فلنذهب.
[يخرج مونتاغيو والسيدة مونتاغيو.]
بنفوليو: صباح الخير يا ابن العم.
روميو: أما زال النهار في أوله؟
بنفوليو: لم تدقّ الساعة إلا التاسعة.
روميو: آه، ما أطول ساعات الحزن! أكان أبي الذي مضى مسرعًا هكذا؟
بنفوليو: نعم، كان هو. أي حزنٍ يطيل ساعات روميو؟
روميو: أنني لا أملك ما لو ملكته لقصرت.
بنفوليو: أهو الحب؟
روميو: بل الحرمان.
بنفوليو: الحرمان من الحب؟
روميو: الحرمان من رضا من أحب.
بنفوليو: يا للأسف، أن يكون الحب في منظره رقيقًا إلى هذا الحد، ثم يكون في التجربة طاغيًا خشنًا إلى هذا الحد.
روميو: يا للأسف، أن يكون الحب، المعصوب العينين أبدًا، قادرًا، من غير عيون، على أن يهتدي إلى سبيل مشيئته! أين نتغدّى؟ آه مني! ما هذا الشجار الذي كان هنا؟ ولكن لا تخبرني، فقد سمعتُه كله. للكراهية هنا شأن كبير، وللحب شأن أكبر: إذن، يا للحب المتخاصم! يا للكراهية المحبّة! يا لشيءٍ ما، خُلق أولًا من لا شيء! يا لخفةٍ ثقيلة! يا لعبثٍ جاد! يا لفوضى مشوّهة لأشكالٍ تبدو جميلة! يا لريشةٍ من رصاص، ويا لدخانٍ لامع، ويا لنارٍ باردة، ويا لصحةٍ سقيمة! يا لليقظة النائمة، التي ليست ما هي عليه! هذا هو الحب الذي أشعر به، ولا أشعر في هذا بأي حب. ألا تضحك؟
بنفوليو: كلا يا ابن العم، بل أبكي.
روميو: يا صاحب القلب الطيب، ولمَ؟
بنفوليو: على قهر قلبك الطيب.










